هذا جزاء من يُميِّع الدين من أجل محبة النجاة للناس فكيف يكون جزاء من..
هذا جزاء من يُميِّع الدين من أجل محبة النجاة للناس فكيف يكون جزاء من يميِّعه من أجل طلب رضاهم وثناءهم!
قال تعالى:{ وَإِن كَادُوا لَیَفتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِیۤ أَوحَینَاۤ إِلَیكَ لِتَفتَرِیَ عَلَینَا غَیرَهُۥ وَإِذا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِیلا (٧٣) وَلَولَاۤ أَن ثَبَّتنَـٰكَ لَقَد كِدتَّ تَركَنُ إِلَیهِم شَیـٔا قَلِیلًا (٧٤) إِذا لَّأَذَقنَـٰكَ ضِعفَ ٱلحَیَوٰةِ وَضِعفَ ٱلمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَینَا نَصِیرا (٧٥) }
[سُورَةُ الإِسرَاءِ: ٧٣-٧٥]
هذه الآيات المهيبة ما نزلت في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنّه عزم على تقديم تنازلات دينية طلباً لرضا قومه عنه لكن لأنّه عزم على ذلك لحرصه على هداية قومه وخوفاً عليهم من هلاكهم
فهذه الآيات ذكر البعض أنّها نزلت في سياق حادثة الغرانيق العلى التي ذُكِرَت في قوله تعالى في:{ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولࣲ وَلَا نَبِیٍّ إِلَّاۤ إِذَا تَمَنَّىٰۤ أَلۡقَى ٱلشَّیۡطَـٰنُ فِیۤ أُمۡ
نِیَّتِهِۦ فَیَنسَخُ ٱللَّهُ مَا یُلۡقِی ٱلشَّیۡطَـٰنُ ثُمَّ یُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَایَـٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیم }
[سُورَةُ الحَجِّ: ٥٢]
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن ينزل ما يستميلهم له فلمّا جاء لتلاوة قوله تعالى :(أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى) ألقى الشيطان على لسانه أن يقول بعدها:(وَإِن شفاعتهم لترتجى وَإِنَّهَا لمع الغرانيق العلى) فانزل الله بعدها آيات سورة الحج(وَمَاۤ أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَّسُول وَلَا نَبِیٍّ إلا إذا تمنَّى ألقى الشيطان في أمنيته..) ومن ثم أنزل بعدها آيات سورة الإسراء(لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً...)
عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ " فَسَجَدَ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فَإِنَّهُ أَخَذَ تُرَابًا مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَيُقَالُ إِنَّهُ أَبُو أُحَيْحَةَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا فَقَالَ مَا جِئْتُكَ بِهِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾
موطن الاستشهاد الآن هو أنّ السلف لمّا جاءوا للكلام عن دافع النبي صلى الله عليه وسلم من تحديث نفسه بهذا،ذكر عدد منهم أنّه كان الحرص على إيمانه قومه والحزن على هلكتهم وليس رغبةً في رضاهم وثناءهم ومع أنزل الله فيه هذه الآيات الشديدة
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَوَلِّي قَوْمِهِ عَنْهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَمَنَّى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ مَا يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ <لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ،> فَكَانَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ قُرَيْشٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ "النَّجْمِ" فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ بِمَا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ وَيَتَمَنَّاهُ: "تِلْكَ الْغَرَانِيقُ العلى وإن شفاعتهم لِتُرْتَجَى"(تفسير البغوي)
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ:..وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ مَا نَالَهُ وَأَصْحَابَهُ مِنْ أَذَاهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ<وَأَحْزَنَهُ ضَلَالُهُمْ، فَكَانَ يَتَمَنَّى هُداهم>، فَلَمَّا أَنْزَلَ الله سورة "النَّجْمِ" قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا كَلِمَاتٍ حِينَ ذَكَرَ اللَّهُ الطَّوَاغِيتَ، فَقال: "وَإِنَّهُنَّ لَهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى. وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَهِيَ الَّتِي تُرْتَجَى ". وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ(تفسير ابن أبي حاتم)
نفس الشيء بخصوص قوله تعالى:{....وَمَن أَصدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِیثا (٨٧) فَمَا لَكُم فِی ٱلمُنَـٰفِقِینَ فِئَتَینِ وَٱللَّهُ أَركَسَهُم بِمَا كَسَبُوۤا أَتُرِیدُونَ أَن تَهدُوا مَن أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن یُضلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِیلا (٨٨) }[سُورَةُ النِّسَاءِ: ٨٧-٨٨]
فغايتهم كانت إرادة الهداية للمنافقين (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) وليس التملُّق لهم لكن مع هذا وبَّخهم بهذا التوبيخ واعتبر صنيعهم يناقض زعمهم الإيمان بكون الله لا أحد أصدق منه حديثاً..
تعليقات
إرسال تعليق