لا أحد يقع في الكفر لذاته
لا أحد يقع في الكفر لذاته
أعني بذلك أنّ الكفر لو وُجِدَ في الدنيا لوحده مُجرّداً لما وقع فيه أي أحد
لكن قُدِّر أن يكون في ظروف معيّنة،فلذلك يقع فيه الناس
طيِّب لِماذا يُعامل الكافر في الآخرة معاملة الشرّ المطلق،فالذي يستحق أن يُعامل معاملة الشرّ المطلق هو الذي يقع في المنكر في أيِّ حالٍ كان
أمّا من وقع في المنكر لكونه كان مقدّراً أن يكون في حالٍ معيّنة،فهذا يستحق أن يعامل معاملة سيّئة ويُعاقب ويُعذّب،لا أُنكر ذلك،لكن ليس بدرجة الذي سيقع في المنكر على أيِّ حالٍ كان"
فالجواب هو أنّ الكافر سيعامل معاملة الشرّ المطلق يوم القيامة مع أنّه ما كان ليقع في الكفر لولا أن كان مقدّراً أن يكون في ظروف معيّنة،هو لأنّ عدم وقوعه في الكفر إلّا لكونه كان مقدّراً أن يكون في ظروف معيّنة هو ليس إنجاز عظيم منه،أو بالحقيقة هو ليس بإنجاز أصلاً لا صغير ولا كبير
هو أمر قدّره الله أن يكون،لأنّ لو قدّر خلافه فسيقع سبحانه في الظلم
لأنّ تقدير وجود من يقع في الكفر لذاته مجردّاً عن كونه مقدّراً في ظروف معيّنة،لا يكون إلّا بخلق شخص مجبوراً على الكفر،وخلق شخص مجبور على الكفر هو ظلم
وهذا لأنّ الكفر هو أمر رتّب الله عليه مقته وعذابه ليس لمحض مشيئته لذلك،لكن لكونه أمر فيه قبح
فإذا أُريد تقدير من يقع في الكفر،فينبغي تقدير وجود شخص لا يستقبحه،لأنّ لا أحد يقع في شيء يستقبحه
وإيجاد شخص لا يستقبح القبيح لا يكون إلّا بسبيلين:
يا إمّا أن يكون مُعطّل عن استقباح هذا القبيح
ويا إمّا أن يكون هذا القبيح مقترناً بشيء مُستلذ به لا يتحقق إلّا عن طريقه أو يتحقق عن طريق طرق أُخرى لكن ليس بالسهولة أو ليس بالكمية التي يُحققها الطريق الأوّل،فهذا الشيء المُستلذ به المقترن بهذا القبيح يكون هو السبب في عدم استقباح هذا الشخص لهذا القبيح
الآن،السبيل الأوّل والذي هو أن يكون هذا الشخص مُعطّل عن استقباح هذا القبيح من الأصل
٠->يُعد ظلماً
لأنّ شخص معطّل عن الشّعور بشعور معيّن تجاه شيء معيّن يعني أنّه مجبول جبلاً على عدم الشعور بهذا الشّعور،والجبل هو جبر،فلو عوقب على عدم شعوره بهذا الشعور سيكون مُعاقبه ظالماً،لأنّه لا يملك دفع عدم القدرة على الشعور بهذا الشعور عن نفسه
فإذاً السّبيل الوحيد الذي لا يكون إيجاد من لا يستقبح الكفر عن طريقه ظلماً من الله هو السبيل الثاني
فلذلك أنا ذكرت أنّ السبب في معاملة الكافر في الآخرة معاملة الشرّ المطلق مع أنّه ما كان ليقع في الكفر لو كان مجردّاً في الدنيا،هو أنّ عدم وقوعه في الكفر لو كان مجردّاً ليس بإنجاز منه يستحق عليه تخفيف العذاب،إنّما هو إنجاز من الله،قدّره سبحانه لكي لا يقع في الظلم،فلذلك سيعامل الكافر معاملة الشرّ المطلق مع أنّه كما ذكرت ما كان ليقع في الكفر لو كان الكفر مُجردّاً عن أن يكون مقدّراً أن يكون في ظروف معينة
طيّب هذا كلّه لا يتّضح وضوح تام إلّا بضرب أمثلة:
١-كفر الشرك بالله:
ما هو الأمر الذي لمّا يقع من الإنسان يكون عندها قد أشرك بالله إلهاً آخر؟
سأدع النّصوص تُجيب هذا السؤال بنفسها
قال تعالى:{ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرضَ فِرَ ٰشا وَٱلسَّمَاۤءَ بِنَاۤء وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤء فَأَخرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَ ٰتِ رِزق لَّكُم فَلَا تَجعَلُوا لِلَّهِ أَندَادا وَأَنتُم تَعلَمُونَ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٢]
جعل الأنداد لله هو الشرك،ولمّا تذهب لتبحث عن ما هو الشيء الذي لمّا جعله المشركين لغير الله وقعوا في الشركة به،ستجد نفس هذه السورة تجاوبك في آية أخرى منها:{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادا یُحِبُّونَهُم كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا أَشَدُّ حُبّا لِّلَّه }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٦٥]
فهذا الشيء إذاً هو "المحبّة"٠
من صرف شيء من المحبة لغير الله فقد أشرك به
طيِّب ما الداعي الرّئيسي إلى صرف شيء من المحبة لغير الله؟
٠->صورة هذا الغير الحسنة
في الصحيحين عن عائشة:﴿أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة﴾ ٠
قال ابن تيمية٠(وإنما المقصود أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين وعبادة تماثيلهم وهم المقصودون
ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب إما الشمس وإما القمر وإما غيرهما وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب وشرك قوم إبراهيم - والله أعلم - كان من هذا أو كان بعضه من هذا
ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن وضعت الأصنام لأجلهم)٠
وقال أيضاً:٠(قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية
وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين
وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين)٠
فإذاً النّاس أشركوا مع الله آلهةً أُخرى لتعلّقهم بالصور الحسنة لهذه الآلهة مثل تعلقهم بالصورة الحسنة للشّمس أو القمر،أو لتعلّقهم بالصّور الحسنة المعمولة لهذه الآلهة مثل تعلّقهم بالصور الحسنة لأصنام اللات والعزى ومناة
طيِّب هذا الكفر ما كان ليقع فيه أي أحد لولا أنّ الأمر في الدنيا قُدِّر أن يكون على حال معيّنة،وهي حال كون الله محجوباً عن الأبصار
فلو تجلّى الله للناس في الدنيا،فصورته الجميلة لن تجعل أي واحد منهم يصرف جزءاً من محبته لصورة غيره من الآلهة،لأنّ لا صورة أجمل من صورة الله،بل كل نعيم الجنة من الأنهار والحور والقصور ينساه أهلها لمّا يتجلّى الله لهم فيها
فلمّا أقول أنّ لا أحد يقع في كفر الشرك بالله لذاته مجرّداً،فأعني بذلك أنّ لا أحد في حال تجلّي الله في الدنيا سيظل يصرف نصيباً من محبّته لغير الله لصورة هذا الغير،لأنّ صورة الله أجمل الصور
لكن قُدِّر أنّ هذا لا يكون،لأنّ عندها لن يكون أي صعوبة في الاختبار
فحجب الله نفسه عن خلقه وأمرهم بأن يعالجوا صرف محبتهم لغير الله لكون هذا الغير له صورة حسنة،عن طريق أن يُهيِّئوا أنفسهم كأنّهم كان يرون صورته،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"،وأيضاً في الصلاة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ وجه الله يكون قِبَل وجه المُصَلّي
٢-كفر استحلال الخمر:٠
الخمر ليست ممقوتة للذّة طعمها،فشارب الخمر لمّا يوقف على الله يوم القيامة لن يقول له سبحانه:"أنا سأُعذّبك لأنّك شربت شراباً طعمه لذيذ جداً"
لكنّها ممقوتة للأسباب الّتي ذكرها الله في قوله في سورة المائدة:{إِنَّمَا یُرِیدُ ٱلشَّیطَـٰنُ أَن یُوقِعَ بَینَكُمُ ٱلعَدَ ٰوَةَ وَٱلبَغضَاۤءَ فِی ٱلخَمرِ وَٱلمَیسِرِ وَیَصُدَّكُم عَن ذِكرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ }
الأسباب هي:إيقاع العداوة والبغضاء،الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة
فلاحظ أنّ الآية لم تذكر لذّة طعمها كسبب من أسباب كونها ممقوتة،لكن ذكرت أسباب ترجع إلى شيء واحد وهو إفقادها للعقل عن طريق إسكاره
فالواقع في كفر استحلال الخمر هو ممقوت لكونه استحل الوقوع فيما يُفقِد العقل وبالتّالي يؤدي إلى حدوث العداوة والبغضاء بينه وبين غيره ويُصد عن ذكر الله وعن الصلاة
لكن لا أحد يقصد شرب الخمر من هذا المنطلق،يعني لا أحد لمّا يأتي لشرب الخمر يقول:"ياااه أخيراً سأفقد عقلي وأقع في العداوة والبغضاء مع غيري وأُصَد عن ذكر الله وعن الصلاة"،لا أحد يكون هكذا قصده،إنّما يكون قصد شارب الخمر هو لذّة طعمها الشديدة
فلمّا أقول أن لا أحد يقع في كفر استحلال الخمر لذاته مجرّداً،أعني بذلك أنّ الخمر لو كانت في الدنيا عبارة عن شراب لا طعم له لكنّه يُفقد العقل ويؤدّي إلى "العداوة والبغضاء بين الناس والصّد عن ذكر الله وعن الصلاة"،لما كان أحد ليستحلها ويشربها على أي حال
لكنها استحلّت لأنّ هذا الشراب المؤدّي لهذه المفاسد قُدِّر في الدنيا أن يكون له طعم مميز
وخلق شخص يقع في هذا الكفر لذاته يعني خلق شخص لا يستقبح هذه المفاسد(وقوع العداوة والبغضاء بين الناس،الصد عن ذكر الله وعن الصلاة)،وخلق شخص لا يستقبح هذه المفاسد يعني خلق شخص مُعطّل عن استقباحها،والذي هو كما ذكرنا سيكون ظلماً
فإذا أُريد وجود شخص يقع في عدم استقباح شراب فيه هذه المفاسد،فلا طريق إلّا إن يُقرن معه شيء تستحسنه النفس وتستلذ به وهذا الشيء حسنه ولذته تُغطّي على قبح هذه المفاسد،فيقع المرء في شرب هذا الشراب
لكن على أي حال سيُعامل مستحل الخمر يوم القيامة معاملة الذي سيستحلّها على أي حال كانت،لأنّ كما ذكرنا كون "هو ما استحلّها إلّا لكونها قُدِّرت في الدنيا أن تكون في حال معينة فلو كانت على غير هذه الحال فما كان ليستحلها" هو ليس بإنجاز منه،إنّما هو أمر قدّره أن يكون لكي لا يقع سبحانه في الظلم إذا حكم بالعذاب على الواقع فيه
٣-كفر استحلال أكل لحم الخنزير
الكثير من الناس يتصوّرون أنّ لحم الخنزير طعمه في قمة السوء والكراهة،ولا يدرون أنّ طعمه ليس فقط لذيذ لكنّه في منتهى اللذة بل ولعلّه ألذّ أنواع اللحوم
والعلة في تحريمه هو وجود صفات خبيثة فيه،والإنسان يكتسب صفات ما يأكله
قال ابن القيم :وكلُّ من ألف ضربًا من ضروب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه، فإن تغذَّى بلحمه كان الشّبه أقوى، فإنَّ الغاذي شبيهٌ بالمغتذي، ولهذا حرّم الله أكل لحوم السِّباع وجوارح الطَّير لِما تورث آكِلَها من شبه نفوسها بها، والله أعلم.
طيِّب هل من يقصد أكل لحم الخنزير يقصده رغبةً في صفاته الخبيثة؟
يعني هل هناك لمّا يُعطى لحم الخنزير يقول:"ياااه أخيراً سآكل شيء يكسبني صفات خبيثة"....لا أحد يقول ذلك...إنّما الناس يقصدون أكل لحم الخنزير لأجل اللذّة المميزة لطعمه
فالذي يقع في كفر "استحلال لحم الخنزير" لذاته،هو الشخص الذي حتى لو لم يكن لحم الخنزير له طعم مميز فسيقصد أكله على أي حال ويستحلّه،وهذا الشخص من المستحيل وجوده،لأنّ وجوده لا يكون إلّا على حال يكون مظلوم فيها من الله
وكون مستحل لحم الخنزير ما كان ليستحلّه لولا أنّه قُدِّر في الدنيا أن يكون على حال معينة وهي حال كون له لذّة مميزة،هو أمر لن يُخفّف من شدّة معاملة هذا المستحل في الآخرة،فسيعامل معاملة الذي سيستحل لحم الخنزير على أيِّ حال،للسبب الذي ذكرناه مراواً وتكراراً وهو أنّ عدم استحلال هذا الشخص لأكل لحم الخنزير في حال لو كان لحم خبيث لا طعم مميز له،هو ليس بإنجاز منه،هو أمر من الله قدّره هو لكي لا يقع في الظلم إذا خلق شخص سيستحل لحم الخنزير حتى لو كان لحم لا طعم مميز له
والأمثلة على هذا كثيرة.....
والحمد لله رب العالمين
تعليقات
إرسال تعليق