القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله


لمّا الناس ما يروا من يظهر القول بفناء نار الكافرين إلا أمثال عدنان ابراهيم وعلي جمعة ويوسف القرضاوي


 فمعاهم كل الحق بأن ينفروا من هذا القول اشد نفرة


خصوصاً أنّ هؤلاء لا يظهرون هذا القول لاعتقادهم به،فهذا القول معناه أنّ الكافر ستفنى عنّه النّار بعد مئات ملايين السنين

فابن تيمية، في رسالته التي كتبها في فناء النار،ذكر هذا الأثر عن أبي هريرة:

" وعن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة انه قال في: {لابثين فيها أحقابا}  

قال: الحُقُب: ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة"

-->(واليوم كألف سنة!)


فهم لا يؤمنون بهذا،لكنّهم يظهرون هذا القول لِتصوّرِهِم انّ الإمامين ابن تيمية وابن القيم قالا به من منطلق فاسد معين هم عندهم إياه 


فقالوا هذا إقرار من الإمامين أنّ هذا المنطلق صحيح،فحتى لو هم ما أطلقاه للمستوى الذي نحن اطلقناه اليه فلا يهم


الذي يهم هو أنّ هذا اقرار منهم انّ هذا المنطلق صحيح،والمنطلق الصحيح لا يتوقف إطلاقه عند مستوى معيّن لكنّه يطلق لأقصى المستويات


فلذلك نحن سنطلق هذا المنطلق للمستوى النهائي ونتوصّل لنتيجة أنّ الجميع سيكون مصيره الجنّة


فذلك تجد مثلا علي جمعة بعد ما صرح في أحد دروسه السنّة؛ الماضية بِ"وارد ربنا يلغي النار يوم القيامة"

هذا التصريح أثار الجدل، فقرّرت قناة العربيّة أن تقوم بمقابلة معه لحتّى يدافع عن نفسه فيها 


 ففي بدايتها جلس يقول أنّ "أنا ما أحدثت شيء من عندي،فالقول بفناء النار قال به ابن تيمية وابن القيم،وهذا القول يعني أن النار ستفنى عن الكافر بعد فترات طويلة وأيضاً بعد ما تفنى من قال أنّ مصير الكافر بعدها سيكون الجنة فممكن أن يكون مصيره العدم "


فأنت لمّا تسمع هذا الكلام منه في البداية تنبسط وتفرح


لكن بعد هذا الكلام إلى نهاية المقابلة يضلّ يتنازل ويتنازل لحتى ما يتوصّل في النهاية أنّ غير المسلم من الممكن أن لا يدخل النار من الأساس و يدخل الجنّة مباشرةً


فيذكر مثلاً حديث السبعين ألفاً الّذين يدخلون الجنّة بغير حساب يوم القيامة،وكل واحد منهم يشفع في سبعين الفاً آخرين،ف٧٠ ألف ضرب ٧٠ ألف يساوي ٥ مليارات


وهذا العدد أكبر من عدد المسلمين


فإذاً هذا دليل أنّه من الممكن أنّ غير المسلم يدخل الجنّة مباشرةً في الآخرة

فإذاً كما قلت ذِكْره للقول بفناء نار الكافرين لا يكون عن إيمان به لكن لظنِّه أنّ الإمامين قالا به من منطلق معين،فإذاً هذا انتصار لهذا المنطلق و إقرار بصحته،فلذلك أنا سأطلقه للمستوى النهائي وأتوصل لنتيجة تقول أنّ الكافر من الممكن أن يدخل الجنة مباشرةً


نفس الشيء أيضا بالنسبة لعدنان إبراهيم ،

 لما نزّل فيديو يتحدث فيه عن شِدّة فرحه باستدلالات ابن تيمية وابن القيم في الانتصار لفناء نار الكافرين،بعد هذا الفيديو ب٣ سنوات نزل فيديو ثاني يعتبر فيه انه ستيفن هوكينج الملحد من الممكن ان يدخل الجنة بسبب موافقه اللي قدمها للانسانية!


فجلس يذكر أنّ ستيفين كان مناصراً للقضية الفلسطينية، وكان ضد الغزو الأمريكي للعراق ولسوريا و للفييتنام،وأنّه قدم عدد من الإنجازات في ميكانيكا الكم


فيوم القيامة سيحدث حوار بينه وبين الله ،في هذا الحوار سينجح ستيفن في نهايته بأن يُقنع الله بأن يعفو عنه و يدخله الجنّة بعد ما يذكر له هذه المواقف التي قدمها للإنسانية


فإذاً هو نفس الشيء مثل علي جمعة؛ذكره للقول بفناء النار لا يكون عن اعتقاد حقيقي به


لكن لأنّه يظن أنّ هذا القول قيل من قِبل الإمامين من منطلق معين،فإذاً هذا فيه انتصار لصوابية هذا المنطلق فلذلك أنا سأطلقه إلى المستوى النهائي وأتوصل لنتيجة تقول أنّ من الممكن أنّ الكافر ما يدخل النار من الأساس ويكون مصيره الجنة مباشرةً،حتّى لو كان هذا الكافر هو رأس من رؤوس الإلحاد مثل ستيفن هوكينج.


فإذاً مجدداً لمّا يُرى أنّ كل من يُظهر هذا القول ينتهي به الحال أن يُصبح مثل هكذا فمع السُنِّي كل الحق بأن ينفر من هذا القول كل النفرة


وهذا المنطلق الّذي يتصوّر هؤلاء أنّ هذا القول قيل منه هو منطلق إنسانوي لا يرى ان الله الخطأ في حقه هو شيء مستشنع،فالّذي يراه مسشتنعا فقط هو ما فيه خطأ في حق الانسان،فلذلك يستثقل كيف شخص يعذب في النار بكل هذا العذاب وهو ما آذى او ظلم أي أحد في حياته ،وقد يكون أحسن إلى الكثير من الفقراء و نصر قضايا انسانية معينة وقدم اختراعات مادية مفيدة...إلخ

فكيف مثل هذا يعذب بكل هذا العذاب فقط لأنّه كفر بالله؟!

فباختصار هو منطلق لا يرى لحقِّ الله اي قيمة.


فلذلك أنا هدفي في هذا المقال هو أن أُبيِّن أنّ فناء نار الكافرين ممكن يُعتقد به من منطلق غير هذا المنطلق الفاسد الّذي يُظهر الله في مظهر المتنازل عن حقه


بل سأبيِّن كيف انه عدم تقدير الله لفناء النار عن الكافر هو الّذي يؤدِّي لهذه المفسدة وهي أن يتنازل الله عن شيء من حقِْه.


فلمّا أبيّن هذا فسأضرب عصفورين بحجر:

سأزيل النفرة من هذا الاعتقاد

ولن أُبقي حجّة لاستغلال هذا القول للتوصل به إلى النتيجة الباطلة الّتي ذكرتها،بناءً على تصوّر أنّ هذا القول قيل به من منطلق فاسد معين


وهذا سأبيّنه عن طريق أصلين:

الأوّل عنوانه: تصحيح تصور خاطئ عن الذي يحسن الي الآخرين 

والثاني عنوانه: هذا الكافر الذي سفتنى عنه النار هو ما عاد كافرا


١-فبالنسبة للأصل الأول:

فهناك خلل معين منتشر عند الناس، وهو انّهم لمّا يروا إنسان يحسن الى غيره فقط ينظرون لِما تحقّق للمُحْسَن إليه من هذا الإحسان،أما المُحْسِن فيتصوّرون أنّه ما حقق لنفسه اي شيء من هذا الاحسان بل بالعكس قد خسر؛فمثلاً المبلغ المالي الّذي تبرّع به للفقراء كان بإمكانه أن يجعله لنفسه بأن يأكل ويشرب ويلعب فيه، لكن مع هذا قرر أن يجعله لغيره،"فيا الله ما أشد تسامي هذا الإنسان عن نفسه من أجل الآخرين!"

 

ويجهلون أنّه ليس فقط أنّ المحسِن الى الآخرين يحقق لنفسه شيء (أو بتعبير أدق لذّة من الاحسان،

لكن ايضا يُحقّق أضعاف أضعاف الّذي يتحقّق للمُحْسَن إليه،وهذا عن طريق عدة أمور:


فلمّا مثلاً يرى الفرحة التي انشأها على وجه هذا الذي احسن اليه، فهذه الرؤية تُشعِرُه بالإنجاز، وهذا الشعور بالإنجاز هو شعور تلتذ به نفسه


ويتلذّذ لمّا هذا الفقير يُثتني عليه


ويتلذّذ أيضاً لمّا النّاس يُثنوا عليه


واذا كان مثلاً هذا الاحسان فيه تنازل عن شيء تحبه نفسه،بأن يكون مثلاً المُحْسَن اليه قد أخطأ في حقه او اعتدى عليه أو على شخص محبوب له مثل أبيه او ابنه،فهو هنا بيحب أشد محبّة أن ينتقم لنفسه منه ويشفي غليله 

فلمّا يعفو ولا ينتقم فهنا يشعر بالإنجاز أن قدر أن يتغلّب على نفسه اللي تؤجّجه بشدة على الانتقام،وهذا الشعور بالانجاز هو أيضا ً يتلذّذ به


طيب ما علاقة هذا بالنفرة من اعتقاد فناء النار الكافرين؟


علاقته هي أنّ سبب هذه النفرة هو تصوّر أنّ الله لمّا يُفني نار هؤلاء الكافرين فهو هكذا يتنازل عن حقِّه

 

فهذا التصوّر سببه الغفلة عن ما ذكرته من أنّ الذي يُحسن إلى الآخرين بأن مثلاً يعفو عن من أخطأ منهم في حقه ،فهو هكذا ما يخسر ،لأنّه سيحقق لذّات لنفسه من هذا العفو،مثل ما يُحقِّق لها لذّات من الاكل والشرب وشم الروائح الجميلة والتلذّذ بالجنس الآخر


فلمّا ما يعفو فعندها سيصير متنازلا عن حقّه لأنّه سيحرم نفسه من تحقيق لها ما تتلذّذ به مثل تلذّذها بهذه الأمور

بل أيضاً العفو أو الإحسان إلى الآخرين عموما،النفس تلتذ  به أضعاف أضعاف ما تلتذ بهذه الأمور 


فنفس الشي بالنسبة لله، الله لما يعفو عن شخص فلا يصح أن يُقال أنّه تنازل عن حقه مطلقاً


لأنّ هذا العفو يحقق لها غايات تعود لنفسه يحبها و يلتذ بها ،فسيكون متنازلاً عن حقه لَمَّا ما يعفو فيضيع على نفسه تحقيق هذا لها


والآن سأذكر نصوص عن أهل العلم تشير لهذا المعنى:


١-فأول نص هو لابن تيمية وهو مقتبس من الرسالة الّتي تكلم فيها عن فناء النار :

(والله هو المنعم على عباده حقيقة بالنعمة، والشكر عليها إذا أعانهم على شكره وجعلهم شاكرين بنعمته، بثواب الشكر ، فكل ذلك تفضل منه وإحسان من غير أن يكون له على ذلك عوض يأخذه من غيره، لا من المحسن إليه ولا من غيره فهو المنعم حقيقة،

-->وإن كان له في الإنعام حكمة يحبها ويرضاها، فتلك الحكمة منه، فما لأحد عليه منة وهو الجواد المحض وهو سبحانه ليس كمثله شيء.

وللناس كلام في الجود والإحسان ومن يفعل لحكمة ومقصود هل هو جواد أم ليس بجواد؟ يفرق بين من يطلب عوضا من غيره فيحتاج إلى غيره فيكون جوده من باب المعاوضة، وبين من لا يحتاج إلى غيره بل هو الجواد بالنعم وبالحكم كما قد بسط في غير هذا الموضع.<--


وايضا قال ابن تيمية اثناء كلامه عن اختلاف الناس

في البحث في ما هي الحكمة من فعل الله للمفعولات وأمره بالمأمورات(مجموع الفتاوى،٨/٨٩)،ذَكَر أنّ هناك من المعتزلة والشيعة ومن وافقهم من قال انه الحكمة في خلق المفعولات هو إحسانه للخلق والحكمة من الامر بالمأمورات هو تعويضهم بالثواب


لما جاءوا للكلام عن الحكمة في ذلك بالنسبة لله قالوا أنّ ليس هناك حكمة تعود اليه،فقط هناك حكمة تعود للخلق،فالنّاس قالوا لهم أنّه لا يُوجد شخص يُحسن للناس فقط لمحض جنابهم من غير ما يريد تحقيق من ذلك الاحسان حكم تعود لنفسه


مثل أن يكمّل نفسه بذلك

 ومثل أن يقصد الحمد والثواب بذلك

ومثل أنّ رؤيته للمُحسن إليه تنشئ رقة وألم في نفسه فيريد ان يدفع بالإحسان ذلك الألم

 ومثل التذاذه وسروره وفرحه بالإحسان


وقالوا أيضاً أنّ "الإحسان إلى الغير محمود لكون المُحسِن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه بل مثل هذا يعد عبثا في عقول العقلاء وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عابثا ولم يكن محمودا على هذا"


فهذا النص لابن تيمية فيه دليل على أنّ النّاس عندهم هذا الخلل في التصوّر عن المُحسِن إلى الآخرين منذ القدم.


والنص الثالث هو لابن القيم من مدارج السالكين،

وهو كان في سياق الكلام عن لماذا الله يفرح هذا الفرح الشديد بتوبته على عبده كما ورد في الأحاديث،فذكر أنّ هذا هو السر الأعظم وقال:

(إذ هذا شأن الجواد من الخلق، فإنه يحصل له من الفرح والسرور، والابتهاج واللذة بعطائه وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه، ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه، عن لذة المعطي، وابتهاجه وسروره، هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه، وعدم وثوقه باستخلاف مثله، وخوف الحاجة إليه عند ذهابه، والتعرض لذل الاستعانة بنظيره ومن هو دونه، ونفسه قد طبعت على الحرص والشح. فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله؟).

فذكر ما ذكرته من أنّ المُحسن ليس فقط يحقّق لنفسه لذّة من الإحسان،لكن أيضاً يحقّق منه لذّة أكثر من الّتي تتحقّق للمُحسَن إليه )


وهذا الأصل يفيد في الرد على إشكال استثقال دخول الكافر إلى النّار إذا كان مُحسِن إلى الآخرين


فلمّا يُعلم أنّ الإنسان يتلذّذ بالإحسان مثل تلذّذه بالأكل والشرب بالجنس الآخر بل وأشدّ أيضاً،فسيزول هذا الإشكال


لأنّه سيُصبِح بمثابة استشكال:كيف شخص يتلذذ بالجِماع يدخل النّار؟!، إذا قام بفعل سيء.

فأصل هذا الإشكال إذاً هو في تصوّر أنّ المُحسِن لا يحقّق لنفسه أي شيء من الإحسان.


٢-أمّا الأصل الثاني والّذي عنوانه هذا الكافر الذي ستفنى عنه النار هو ما عاد كافراً اصلاً


فهذه الأصل شرحه أنّ هذا الكافر الذي ستفنى عنه النار بعد مئات ملايين السنين،النار أزالت كل ذرة كفر موجودة فيه وصار مسلما خالصاً،فلهذا السبب عفا الله عنه بافناء النار عنه 


تبيين هذا مهم، لأنّ الكثير من المميعة يصور أنّ السبب في عفو الله عن الكافر هو لأنّ الكفر شيء هيِّن يسير،أو لأنّ هذا الكافر كان جيد إنسانيا،أو لأنّ هذا الكافر اخترع اختراعات ماديّة..الخ

فلمثل هذه الأسباب الله يقرر أن يعفو عنه ويُفني النار عنه في الآخرة.


فأنا أرُد على هؤلاء بأن أقول :كلا!،الله عفا عن هؤلاء لأنّ النار ما ابقت ولا ذرة كفر واحدة فيهم وجعلتهم موحدين لله توحيد تامّ


فالنار بعد هذه الأحقاب أوصلتهم لحال لو ردوا للدنيا لآمنوا وما كفروا 


فإذاً الله عفا عن الكافر بإفناءه للنار عنه بعد مئات ملايين السنين لسبب يعود لحق لنفسه،ليس لسبب يعود الإنسان.


والحمد لله رب العالمين .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

لا أحد يقع في الكفر لذاته