كلنا نعرف جدلية هذا الفصل من كتاب العبر لابن خلدون وكيف أنّه صار عند الكثير انطباع أنّ موقف ابن خلدون من العرب هو موقف سلبي
وهذا مؤسف فأدنى إطلاع على تراث ابن خلدون سيُبيِّن لك أنّ هو أبعد الناس عن أن يكون له موقف سلبي من العرب
فقد قال مثلاً:"ثم إنّ العرب لم يزالوا موسومين بين الأمم بالبيان في الكلام والفصاحة في المنطق والذلاقة في اللسان ولذلك سموا بهذا الاسم فإنه مشتق من الابانة لقولهم أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه. ومنه قوله ﷺ: «الثيب تعرب عن نفسها» . والبيان سمتهم بين الأمم منذ كانوا. وانظر قصة كسرى لما طلب من خليفته على العرب النعمان بن المنذر أن يوفد عليه من كبرائهم وخطبائهم من رضي لذلك، فاختار منهم وفد أوفده عليه وكان من خبره واستغراب ما جاءوا به من البيان ما هو معروف"(٢-١٧)
وقال:"وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني. مثل الحركات الّتي تعيّن الفاعل أي المفعول من المجرور أعني المضاف ومثلي الحروف الّتي تفضي بالأفعال أي الحركات إلى الذّوات من غير تكلّف ألفاظ أخرى. وليس يوجد ذلك إلّا في لغة العرب. وأمّا غيرها من اللّغات فكلّ معنى أو حال لا بدّ له من ألفاظ تخصّه بالدّلالة ولذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول ممّا تقدّره بكلام العرب.
وهذا هو معنى قوله ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» . فصار للحروف في لغتهم. والحركات والهيئات أي الأوضاع اعتبار في الدّلالة على المقصود غير متكلّفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها. إنّما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأوّل كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا.
فلمّا جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الّذي كان في أيدي الأمم والدّول وخالطوا العجم تغيّرت تلك الملكة بما ألقى إليها السّمع من المخالفات الّتي للمستعربين"(العبر ١-٧٥٤)
وقال:"والدين إنما يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لما أن النبي ﷺ عربي فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها. واعتبر ذلك في نهي عمر رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم وقال إنّها خبّ أي مكر وخديعة،فلمّا هجر الدّين اللّغات الأعجميّة وكان لسان القائمين بالدّولة الإسلاميّة عربيّا هجرت كلّها في جميع ممالكها لأنّ النّاس تبع للسّلطان وعلى دينه فصار استعمال اللّسان العربيّ من شعائر الإسلام وطاعة العرب وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك،وصار اللّسان العربيّ لسانهم حتّى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم وصارت الألسنة العجميّة دخيلة فيها وغريبة"(العبر ١-٤٧٥)
لاحظوا أنّ في هذا النص أقر بوجوب تعريب الأمم التي يحكمها المسلمون،وأكثر شيء ينتقده الشعوبيون الأمازيغ هو فرض التعريب!،فلذلك هؤلاء الشعوبيون حمقى في تصوِّرهم أنّ ابن خلدون يخدم أجدنتهم
وأيضاً قال أنّ الله شرَّف العرب وأكرمهم:"ثم عدنان وأنسابهم وما كان لهم من الملك بمكة في قريش ثم ما شرفهم الله به وجيل الآدميين أجمع من النبوة، وذكر الهجرة والسير النبوية، ثم نذكر ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك"
فهذه النصوص(التي هي غيض من فيض من نصوص ابن خلدون المادحة للعرب) تبيِّن بكل وضوح أنّ موقفه من العرب ليس سلبي،فلذلك ينبغي تفسير هذا الفصل الجدلي له بأنّ له غاية أُخرى منه غير غاية البغض لهم
فأوّلاً ينبغي أن تُعلم غاية الله من اختيار العرب تحديداً من سائر الأمم وكيف أنّ هذه الغاية هي أصلاً قائمة على وجود هذه المناقص التي ذكرها ابن خلدون فيهم
فالله سبحانه وتعالى أكبر غاية له لمّا أراد اصطفاء أمّة هو بأن يصطفي أمّة تشكره أشدّ شكر من بين الأمم
والشكر للنعمة شدّته تكون على قدر الحاجة لهذه النعمة،فشخص مشرد لا منزل له وآخر عنده عشرات المنازل،من سيكون شكره أكبر إذا أُعْطِيَ منزلاً؟الأول لا شكّ؛لأنّه أكثرَ حاجةً للمنزل
فإذاً،الأمّة التي ستشكر الله أشدّ شكر هي الأمّة الأحوج لنعمه
ومن النعم الرئيسية التي ينعم بها الله على الأمة التي يختارها إذا اتَّبعت دينه هي العزة المادية الدنيوية
الآن لو اختار الله أمّة الفرس مثلاً،بدلاً من أمّة العرب،فاتبعوا دينه وأنعم عليهم بملك مساحات كبيرة من الأرض
فسيشكرونه على هذه النعمة لكن في نفس الوقت لن يستشعروا حاجة شديدة للإسلام للحصول على هذه العزة المادية،لأنّه مسبقاً كان يملكون بقدرة ذاتية من أنفسهم مساحات كبيرة من الأرض
فلمّا يضعف استشعار الحاجة سيضعف الشكر،بناءً على ما ذكرناه من أنّ الشكر يكون على قدر الحاجة
أمّا العرب فليس لهم قدرة من ذاتهم على الحصول على العزة المادية كما هو الحال للفرس،لأنّ جبلتهم فيها صفات تؤدِّي للخراب المادي،ولا شيء يُذهِب هذه الجبلة عندهم إلّا الإسلام،فاستشعارهم لحاجتهم للإسلام لمّا يُنعِم الله عليهم بالعزة المادية سيكون أقوى وبالتالي شكرهم سيكون أكبر(بناءً على ما ذكرناه من أنّ شكر النعمة يكون على قدر الاحتياج لها)،أمّا الفرس فليس في جبلتهم هذه الصفات
وهذا ليس مجرد تأويل متكلف لكلام ابن خلدون،فبمجرد ما أن تقرأ الفصل الذي بعد هذا الفصل الجدلي مباشرةً سيظهر لك أنّ هذا هو غايته:
"(الفصل السابع والعشرون في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة)
والسّبب في ذلك أنّهم لخلق التّوحّش الّذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرّئاسة فقلّما تجتمع أهواؤهم فإذا كان الدّين بالنّبوءة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدّين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التّحاسد والتّنافس فإذا كان فيهم النّبيّ أو الوليّ الّذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلّف كلمتهم لإظهار الحقّ تمّ اجتماعهم وحصل لهم التّغلّب والملك وهم مع ذلك أسرع النّاس قبولا للحقّ والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق إلّا ما كان من خلق التّوحّش القريب المعاناة المتهيّئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى وبعده عمّا ينطبع في النّفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات فإنّ كلّ مولود يولد على الفطرة كما ورد في الحديث وقد تقدّم"
لاحظوا أيضاً أنّه قال في هذا الفصل أنّ العرب أسرع الناس قبولاً للحق والهدى وأبرأهم من الأخلاق السيئة عدا خلق التوحش الذي قدَّر الله وجوده فيهم للغاية التي ذكرناها،فهذا تفضيل صريح للعرب على غيرهم من الأمم فكيف يحسب الشعوبيون الأمازيغ أنّ ابن خلدون في صفِّهم وهم لا يُقِرُّون أصلاً أنّ العرب أمة فاضلة فضلاً بأن يُقرُّوا بأنهم أفضل الأمم
والحمد لله رب العالمين
تعليقات
إرسال تعليق