الصمود على الأذى في الدعوة ليس مقتصراً على هذا


 !الصمود على الأذى في الدعوة ليس مقتصراً على هذا 


كثير من أهل الدِّين لمّا يؤسسوا في طَلَبَتِهِم الصمود على الأذى المُتلقَّى في الدعوة للحق يُركِّزون على تأسيس الصمود على نوع واحد من الأذى ويغفلون عن نوع آخر هو الذي جعل القرآن أكبر ثقل للصمود عليه 


فالقرآن قسَّم الأذى الذي يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته(أو عموم الصالحين في دعوتهم) لنوعين:


١-أذى المدعوين اللفظي بالشتم والاستهزاء والمادي بالضرب والتجويع 

٢-أذى الحزن على رؤية المدعوين يسلكون سبيل النار،خصوصاً إذا كانوا هؤلاء المدعوين ممن لهم قربة من الداعي 


فإذا بحثنا عن أي نوع أذى جعله القرآن أثقل على النفس سنجد أنّه النوع الثاني


ففي النوع الأول يُطلِق تعابير عادية أمّا في النوع الثاني فيُطلِق تعابير ملحمية مثل:

"لعلك باخع النفس" في الكهف والشعراء

"فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" في فاطر

"إن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية" في الأنعام....وغير ذلك


فالمرء لمّا يُحذِّر من خطر معين لمّا يرى من يحبه معرضاً عن تحذيره يكون هذا شيء أثقل عليه من الإهانات و الإساءات التي يتلقاها منه على تحذيره من هذا الخطر 


فالكثير من أهل الدًّين يفرح بنفسه لمّا يرى في أمره بالحق للناس أنّه صامد أمام النوع الأول من الأذى ويظن أنّه هكذا قد أدّى الواجب عليه ويتغافل أنّ الله يريد منه بشكل أوَّلي أن يصمد أمام نوع الأذى الأكثر ثقلاً على النفس والذي هو النوع الثاني،والصمود أمام هذا النوع يكون تحقيقه بإنزال حكم الله على المخالف للحق بالعذاب في الآخرة مع استثقال نفسك لذلك من باب الإشفاق،فلا تُعطِّل هذا الإنزال  بالإعذار المفرط بالجهل،التأويل،الخطأ....الخ 


فمثلاً قصة نوح عليه السلام في سورة هود:﴿

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

فلاحظوا أنّ نوح عليه السلام صمد ٩٥٠ سنة أمام إيذاء الناس له في دعوته للحق لكن مع هذا ما أنزل الله عليه "السلام منه والبركات عليه" حتى ابتلاه بِهَل يصمد أمام النوع الثاني من الأذى وهو أذى رؤية شخص يعز عليك قد حكم الله عليه بالهلاك في الآخرة فتُمتَحَن هل تنكسر أمام هذا الأذى فلا تُسلِّم لهذا الحكم وتبحث له عن عذر يُمانع إنزال هذا الحكم عليه ("قَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي") أو تتغلب على ثقل هذا الأذى على نفسك فتُسلِّم لحكمالله("قَالَ رَبِّ إِنِّیۤ أَعُوذُ بِكَ أَن أَسـَٔلَكَ مَا لَیسَ لِی بِهِۦ عِلم وَإِلَّا تَغفِر لِی وَتَرحَمنِیۤ أَكُن مِّنَ ٱلخَـٰسِرِینَ"}؟


ومثال آخر قوله تعالى في حق إبراهيم في سورة التوبة :{ وَمَا كَانَ ٱستِغفَارُ إِبرَ ٰ⁠هِیمَ لِأَبِیهِ إِلَّا عَن مَّوعِدَة وَعَدَهَاۤ إِیَّاهُ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُۥ أَنَّهُۥ عَدُوّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ إِنَّ إِبرَ ٰ⁠هِیمَ لَأَوَّ ٰ⁠هٌ حَلِیم }


فمن تفسيرات السلف ل"أوّاه" أي: الموقن

عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "الأواه": الموقن.


فالموقن عادةً تُطلق بشكل رئيسي على المؤمن الذي يصمد أمام أذى الدعوة للحق،فمع أنّ إبراهيم عليه السلام صمد أمام النوع الأول من الأذى صموداً عجيباً إذ ألقاه قومه في نار من شدّتها حتّى إنّ الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها و عرض عليه جبريل الإعانة فرفضها

->فمع صموده أمام كل هذا لم يُطلق عليه لفظ "الموقن" حتى أُبتلِيَ بالتسليم لكون مصير شخص يعز عليه هو النار 


والكلام حول هذا يطول.....

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته