لماذا عبادة المبتدع تنزل منزلة العدم


 ما في أي شخص في الوجود إلا يُحِب أن يُحَب 

لكن في نفس الوقت لا أحد يريد محض أن يُحَب؛أي أن يُحَب مهما كان الدافع والمحرك،إنّما يُريد أن يُحَب محبة مقيدة،وهي المحبة التي تكون على ما يُحِبُّه هو في نفسه


فإذا أحِب على أمر لا يُحِبُّه في نفسه فلن يبالي أدنى مبالاة بهذه المحبة حتى لو كانت محبة مفرطة محترقة


فالمرء يُحِب أن يُحَب على ما لمّا يتذكر اتصاف نفسه به يشعر بالإنجاز وعلى ما لمّا ينظر في المرآة ويراه في نفسه يشعر بالنشوة وبالغرور،فإذا أُحِبَّ على أمر لا يشعر بالإنجاز ولا ينتشي برؤيته في نفسه فلن تساوي المحبة هذه عنده قرشاً واحداً


كمثال:شخص يحبك محبة شديدة تكاد أن تهلكه،لمّا سألته عن سببها أجابك ب"لأنّ ثاني حرف من اسمك هو حرف الراء"،فأنت هنا هل ستفرح ذرة فرح بهذه المحبة؟:كلّا!،لأنّ "كون ثاني حرف من اسمك هو حرف الراء" هو ليس بالأمر الذي لما تنظر في نفسك بالمرآة تقول:"يااااه ما أعظمني أنا!،ثاني حرف من اسمي هو حرف الراء!"


مثال آخر:طفل أحبك محبة شديدة لمّا رآك استطعت أن تأتي بشيء له من مكان مرتفع،لنقل مثلاً من رف على الحائط،فهل ستفرح بهذه المحبة منه وتلتذ بها؟

الجواب:كلا،لأنّ استطاعتك بأن تنزل شيء من هذا الرف هو شيء لا تنتشي وتشعر بالإنجاز باتصاف نفسك به؛فهو أمر كل إنسان بالغ طوله طول طبيعي يقدر عليه 


فهذه كلها أمثلة عن محبة شديدة صُرِفَت لك لم تجعل لها أي قيمة وأنزلتها منزلة العدم لأنّها لم تكن على ما تُحِبُّه في نفسك 


كذلك هو الحال بالنسبة لله،إذا أحبُّه شخص محبة ملتهبة حركته إلى القيام بأعمال كثيرة وكان حاضر القلب فيها أتمّ حضور فلن يُبالي بها سبحانه أدنى مبالاة إذا كان محركها هو أمور لا يُحِبُّها سبحانه في نفسه


فالجهمي الذي تكاد تتفطر قدماه من طول قيامه في الصلاة وكتب ألاف المؤلفات الدينية لمّا يُستشكل كيف كل هذا يذهب هباءاً منثوراً وينزل منزلة العدم يكون الجواب عادةً هو لأنّه ينتقص من الله بإنكاره لصفات الكمال مثل العلو والكلام وغيرها


فهذا الجواب حسن إلّا أنّه يستمر في جعل المخالف يقول:"أنا أتفهم أنّ هو جالس ينتقص من جناب الله بإنكار هذه الصفات لكن لا أتفهم لماذا هذا ينبغي أن يُهِم،الذي بنظري ينبغي أن يُهِم هو محض أن يُحَب الله ويُتحرك إليه،مهما كان الدافع لذلك وحتى لو كان دافعاً فيه تنقص من الله فلن يبالي الله بذلك لأنّه يفرح بمحض أن يُحَب"

فالجواب عليه سيكون هو بتبيين كيف أنّ لا أحد في الوجود يفرح بأي محبة تُصرف له،لكن يفرح فقط بالمحبة التي تُصرف له على ما يُحِبُّه هو في نفسه،وقد ضربنا مِثالَيْن على ذلك 


فإذاً الله لا يُحَب في نفسه ما أحبَّه المعطل فيه،فلذلك لا قيمة لعمله،فضلاً عن كون ما أحبَّهُ فيه تنقصاً من جنابه


لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:ما أحد أحب إليه المدح من الله،لذلك مدح لنفسه"


ففي هذا الحديث إثبات أنّ محبة الله لأن يُحَب مبنية على محبته لنفسه،وهو يُحِب نفسه لاتصافها بصفات معينة،فإذا أُحِب على غير هذه الصفات فلن يُحِبَّها


قال ابن تيمية:"وما يحبه الله من عبادته وطاعته فهو تبع لحب نفسه"


والحمد لله رب العالمين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته