مسلك عجيب في مدح تاركي التعدد

"مسلك عجيب في مدح تاركي التعدد"

هناك مسلك عجيب بدأ يُسلك في مدح ترك التعدد

هذا المسلك يقول أنّ ترك التعدد محمود من باب النصوص التي تمدح التنازل عن حظّ نفسك من أجل حظّ نفس الغيركقوله تعالى:{وَیُؤثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَة وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ }
[سُورَةُ الحَشرِ: ٩]
وكقوله تعالى:{ وَیُطعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ...}
[سُورَةُ الإِنسَانِ: ٨]

فلو كان عندك زوجة وكنت راغباً بأُخرى فكبتْتَ رغبتك من أجل نفسيِّتِها فأنت ستدخل ضمن هاتين الآيتين

فهذا الإشكال منشأه تصوّر أنّ إذا أمر فيه نصيب للنفس،فالتنازل عنه لا يدخله ذمّ بالمرة،لأنّ ما هناك ذم في التنازل عنه هو فقط ما فيه نصيب لله

فمن تصوّره هكذا إذا قرأ نصوص الشرع ورأى شدّة إنكارها على من يحرم الحلال،سيتعجّب من لِما كل هذه الجدّية في التعامل مع شخص حرم نفسه من حظِّها

يعني كمثال قوله تعالى في سورة الأحزاب:(...وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ...)...(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا)

فخطابان مهيبان تقشعر منهما الجلود مثل هاذان قد تتوقع أنّهما نزلا بخصوص أُناس داهنوا أقوامهم فلم ينكروا ما هم واقعين فيه من طوام جسيمة مثل الشرك بالله و الزنا وشرب الخمر وغير ذلك

فلمّا تذهب تبحث ستجد أنّ هاذين الخطابين المخاطب بهما هو النبي لمّا حرم نفسه من شيء اشتهته نفسه أحلّه الله له،وهو الزواج من زينب بنت جحش بعد أن رأى حسنها،لكي لا ينتقده النّاس

قال البغوي:{(الذين يبلغون رسالات الله ) [ يعني سنة الله في الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله ] ( ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ) لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم وفرض عليهم ( وكفى بالله حسيبا ) حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم . ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تزوج زينب قال الناس : إن محمدا تزوج امرأة ابنه فأنزل الله - عز وجل:ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم}

فالتفسير لهذه الجِدّية الشديدة في الإنكار على من يَحْرِم نفسه من شيء فيه حظٌ لها،هو بأن يُفهم بأنّ الله يُحِب أن يُحَب

فكل ما يزيد من تحقيق لله ما يُحِبُّه من أن يُحَب،هو أمرٌ التنازل عنه تنازلٌ عن حقّ الله،حتّى لو كان في ظاهره حظٌ محض للعبد

والاستمتاع بأكثر من امرأة هو أمر تُحبِّه النفس بشدّة،فلو أُذِنَ لها الله بذلك ستُحِبّه أكثر،فإذاً حرمانها منه هو في الحقيقة تنازل عن حقّ الله حتى لو كان في ظاهره تنازل محض عن حظِّ النفس وحقِّها

وأيضاً الله يُحِب أن يُشكر،بل ليس أحدٌ أحبّ إليه أن يُشكر أكثر منه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ليسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِن أَجْلِ ذلكَ مَدَحَ نَفْسَهُ"

فكل ما يؤدّي أكثر إلى شكر الله التنازل عنه هو تنازل عن حظّ الله،حتى لو كان في ظاهره حظ محض للعبد

والنفس لمّا ترى ما أنعم عليها الله من التلذذ بأكثر من امرأة سيُحركها هذا إلى شكره أكثر

فلذلك إذاً قلت أنّ الزعم بأنّ ترك التعدد من أجل نفسية الزوجة الأولى هو أمر ممدوح لأنّه يدخل ضمن التنازل عن حق النفس من أجل حق الغير،هو زعم باطل
->لأنّ التنازل عن حقّ النفس في التلذذ بالتعدد هو في الحقيقة تنازل عن حق الله في أن يُحب أكثر ويُشكر أكثر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته