لماذا النّصارى فُضِّلوا على مشركي العرب؟
لماذا النّصارى عوملوا بمعاملة مختلفة عن مشركي العرب؟
هذا السؤال الإجابة المعتادة عليه هو أنّ النصارى لهم كتاب منزل من الله ينتسبون إليه ومشركو العرب ليس لهم
لكن هذه الإجابة ما عمرها نجحت في إقناعي،لأنّ بنظري كونك متنتسب لكتاب منزل من الله هو شيء رمزي لا قيمة حقيقية له
فقد تكون تصرف عبادتك لله فقط لكن لا تنتسب لكتاب منزل من الله،وغيرك ينتسب لكتاب منزل من الله لكن يصرف عبادته لعشرات الإله دون الله،فيكون الثاني أكفر من الأوّل
نفس الشيء بالنّسبة للنصارى ومشركي العرب
أنا أرى أنّ في المعتقد كلاهما متساويان،فكلاهما يؤلِّهان غير الله
وليس واحد منهم يؤلِّه وليِّا لله والآخر يؤلِّه عدوا له،يعني مثلاً النصارى تؤلِّه مع الله النبي عيسى عليه السلام ومشركو العرب يؤلِّهون مع الله فرعون مثلاً،فيكون عندها مشركوا العرب أكفر من النصارى
لا،بل كلاهما يؤلِّهان من هم بالأصل أولياء لله،فالذي كان يؤلِّهه النصارى هو نبي الله عيسى عليه السلام،والذين كان يؤلِّههم مشركو العرب هم يا إمّا ملائكة ويا إمّا رجال صالحين من البشر مثل سواع ويغوث
فعندها صار المنطقي بالنسبة لي فقط بخصوص من من الكفار يستحقون أن يُعاملوا معاملة أفضل من سائر الكفار:هم اليهود
لأنّ هم فقط الذين يؤلِّهون الله لوحده ولا يؤلِّهون غيره من الآلهة ظاهرياً،لكن أن يُقرن معهم النصارى أيضاً فهذا ما عمري فهمته
إلّا أنّه في يوم من الأيام تفطنت للسبب الذي من أجله مُيِّز النصارى في المعاملة عن غيرهم من المشركين مثل مشركي العرب،والسبب الذي من أجلِه تمت تسويتهم مع اليهود في المعاملة
وهو أنّ شرك النصارى مختلف،فالكثير يحسب أنّ بعض النصارى لمّا يتّهمهم مسلم بأنّهم يؤمنون بأكثر من إله فينكرون عليه ذلك،بأنّهم جالسين يداهنونهم
كلّا،هو حقيقةً النصارى في الشرق والغرب عامتهم وخاصتهم يزعمون أنّهم يؤمنون بإله واحد،بعيداً عن مداهنة المسلمين
فهم الذين يؤلِّهونه مع الله،أي نبي الله عيسى،لا يزعمون أنّه ذات مستقلة عن الله وأنّ هذه الذات هي إله آخر مع الله
لا،هم يزعمون أنّ عيسى عليه السلام هو نفسه الله،لكن الله أراد التقرب من عباده فنزل إليهم على صورة إنسان
فهم لمّا يصرفون عبادتهم لعيسى عليه السلام هم يؤمنون أنّهم جالسين يصرفوها لله
بخلاف مشركي قريش،الذين يؤمنون أنّ من يؤلّهونه هو ذات أخرى مستقلة عن الله،فيؤمنون صراحة أنّ هناك إله مع الله
أمّا النصارى فلا يؤمنون أنّ هناك إله مع الله،يؤمنون أنّ الله هو الإله الوحيد وأنّ عيسى عليه السلام هو مجرد الصورة الإنسانية التي تجلّى فيها الله
فما وقع فيه النصارى هو اعتقاد حلول،وما وقع فيه مشركو العرب هو اعتقاد الشرك
فلذلك النصوص تفصل اليهود والنصارى عن المشركين
كما في قوله تعالى :{ لَم یَكُنِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا مِن أَهلِ ٱلكِتَـٰبِ وَٱلمُشرِكِینَ مُنفَكِّینَ حَتَّىٰ تَأتِیَهُمُ ٱلبَیِّنَةُ }
[سُورَةُ البَيِّنَةِ: ١]
فالاعتقاد بالحلول هو كفر نعم لكنّه أخف كفراً من اعتقاد الشرك
لأنّ الله لا أحد أغير منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم،فأشدّ ما يغضبه هو أن يصرف لغيره نصيباً من المحبة،فالمشرك يؤمن صراحة أنّه جالس يصرف نصيباً من محبته لغير الله أمّا الحلولي فلمّا يصرف نصيباً من محبته لغير الله فهو يرى أنّه جالس يصرفها لله
فلذلك إذاً لم يلحق الله النصارى مع غيرهم من المشركين الذين يؤمن بأكثر من إله وجعلهم قريني اليهود الذين يؤمنون بإله واحد،فأحل الزواج بنساءهم والأكل من طعامهم وأذن لهم بالبقاء أحياء على دينهم إذا دفعوا الجزية،أمّا غيرهم(أي غير اليهود والنصارى) فلم يقبل منهم إلّا الإسلام أو السيف
ولذلك لمّا تبحث عن أشدّ آيات نزلت في النصارى ستجد أنّها آيات نزلت بخصوص إيمانهم بأنّ عيسى هو ابن الله وليس بخصوص إيمانهم بأنّ عيسى هو الله
قال تعالى:{ وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحمَـٰنُ وَلَدا (٨٨) لَّقَد جِئتُم شَیـٔا إِدّا (٨٩) تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ یَتَفَطَّرنَ مِنهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرضُ وَتَخِرُّ ٱلجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَن دَعَوا لِلرَّحمَـٰنِ وَلَدا (٩١) }
[سُورَةُ مَريَمَ: ٨٨-٩١]
فلن تجد آيات تشنع بهذه الشدة على قول النصارى بأنّ عيسى بن مريم هو الله،ستجد فقط الإعلام بأنّ قولهم هذا هو "كُفر" { لَقَد كَفَرَ ٱلَّذِینَ قَالُوۤا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلمَسِیحُ ٱبنُ مَریَم}[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٧٢]
لأنّ القول بأنّ عيسى هو ابن الله يوحي أنّه إله مستقل عن الله...أمّا القول بأنّ عيسى هو الله فهو كما بينّنا لا يوحي بذلك
وحتى لمّا يقولوا أنّ عيسى هو ابن الله،يؤمنون أنّهم بطريقة ما زالوا يؤمنون بإله واحد،فيقولون:"الإبن غير الأب والأب غير الإبن،لكن في نفس الوقت الإبن هو الأب والأب هو الإبن"٠
فبالنهاية هم مشركون نعم،لكن إقرارهم للشرك أي بأنّ هناك إله آخر غير الله)هو ليس بالظهور الواضح الذي عند مشركي العرب
فمشركو العرب كانوا بشكل مباشر يقولون أنّهم يؤمنون بأكثر من إله واحد
أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيءٌ عجاب)/سورة ص).
أمّا النصارى فيقولون أنّهم يؤمنون بأكثر من إله،لكن هؤلاء الإلهة في نفس الوقت بطريقةٍ ما هم إله واحد
تعليقات
إرسال تعليق