الشافي الكافي في استشكال وجوب طاعة الزوج في الإسلام

 

سأذكر لكم تأصيل فهمه سيعالج كل ذرة استشكال ممكن أن تكون موجودة عند الإنسان لحكم الدين بوجوب طاعة وخضوع الزوجة لزوجها

هذا التأصيل يقوم على أساس تبيين مراد الله الرئيسي من تشريعه لوجوب خضوع الزوجة لزوجها

فالكثير قد يظن أنّ مراد الله الرئيسي هو تقدير الزوجة لما يقدمه لها الزوج من نفقة وطعام ومسكن

وهذا حقٌ،لكنّه ليس مراده الرئيسي


فتقدير الزوجة لما يقدمه لها الزوج دنيوياً لا تبالي النصوص بالتّقصير فيه مبالاة شديدة 

التقصير الوحيد فيه الذي تبالي به النصوص بشدة وتوعد عليه وعيد عظيم:هو امتناعها عن إجابة الزوج للفراش،قال النبي صلى الله عليه وسلم :٠إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح...٠


أمّا مراد الله الرئيسي من تشريعه لوجوب خضوع الزوجة لزوجها فهو:التقويم الديني للزوجة من قبل الزوج

فقد يكون هناك زوجتين،زوجة تسعد زوجها في عيشه معها،وزوجة تشقي زوجها في عيشه معها 

فتكون الزوجة الثانية أفضل عند الله بعشرات المرات من الزوجة الأولى 

لأنّ الثانية تكون محققة للمراد الرئيسي من تشريع الله لخضوع الزوجة لزوجها وهو قبول تقويم الزوج الديني لها

أمّا الأولى فتكون فقط محققة للمراد الثانوي وهو تقدير الزوج على ما يقدمه لها،أمّا المراد الرئيسي فلا تكون محققة له

ووضوح هذا يظهر أكثر بإدراك جماع أمرين:٠

الأوّل:مقاومة المرأة لمعصية الله أضعف ما يكون 

وهذا يظهر في مثلاً تقدّم المرأة بأميال في سباق الإسراف والبذخ في الشراء

الثاني:الله غايته من الخلق كلها تتلخص في أنّه يريد أن لا محبة تنازع محبته في قلب عبده

قال تعالى:{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادا یُحِبُّونَهُم كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا أَشَدُّ حُبّا لِّلَّهِ وَلَو یَرَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا إِذ یَرَونَ ٱلعَذَابَ أَنَّ ٱلقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِیعا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلعَذَابِ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٦٥] 


وكل ما كان الشيء يلتذ العبد به أكثر كل ما كان أمنع لتحقيق هذه الغاية،لأنّ المحبة للشيء تكون على قدر التلذذ به

وكلنا نعلم أنّ من أشدّ ما يلتذ به المرء هو علاقته مع الجنس الآخر


وجماع هاذين الأمرين يوضِّح لنا لما غاية الله الرئيسية من خضوع المرأة للرجل هي "التقويم الديني للزوجة من قبل الزوجة" وليست "تقدير الزوجة لما يقدمه لها زوجها دنيوياً من نفقة ومطعم ومسكن"٠

فالله رأى ضعف المرأة أمام مثلاً معصية الإسراف والبذخ من أجل زخارف الدنيا،فأراد أن يجعل لها عوناً أمام هذا الضعف،وهذا العون هو الزوج،لأنّ الرجل أكثر ضبطاً لنفسه أمام زخارف الدنيا 

فسلّط الزوج على الزوجة لكي يقوِّم ضعفها أمام هذه المعصية

بحيث أنّه مثلاً إذا رآها تريد الإسراف بشراء شيء سعره مرتفع ولا حاجة له،حال بينها وبين ذلك قسراً وأدَّبها

وفي نفس الوقت بخصوص تقصيرها في حقِّه قال له:"حاول أن تعفو بقدر المستطاع عن تقصيرها في حقِّك

لحتّى لمّا مثلاً تحول بينها وبين الإسراف بشراء أمر لا حاجة له،تكون أطوع للاستجابة لك

فلو حاسبتها على كل من تقصيرها في حقك وتقويمك الديني لها،فسيثقِّل هذا عليها الاستجابة لتقويمك الديني أكثر وأكثر 

وأيضاً سيكون هذا فيه إظهار لله شدّة عبوديَّتك له،لمّا يرى أنّك تتنازل عن حق نفسك من أجل أن لا يقع ما يمقته ويؤذيه(أي معصية الإسراف في مثالنا هذا)

وأيضاً سيكون هذا أدعى لتحقق غاية الله من الخلق التي ذكرناها،والتي هي إرادته أن لا محبة تنازع محبته في قلب عبده 

و أشدّ ما ينازع هذا بالنسبة للرجل هو محبتِّه للمرأة

فلذلك قدّر الله أنّ كل النساء(حتّى الصالحات) يقع منهن كل فترة ما يؤذي الزوج وينكِّد عليه معيشته،لحتّى الرجل لما تبدأ تنازع محبة المرأة محبة الله في قلبه يتذكر أنّ هذا لا يصح،لأنّ الله لا يصدر منه أي أذى تجاهه،أمّا المرأة فحتّى الصالحة يصدر منها أذى له بشكل دوري 

والله حتى إذا صدر منه أذى تجاهه فيكون بحق،لأنّه يكون بسبب وقوعه في المعصية،أمّا المرأة فالذي يصدر منها أذى بحق وبغير حق

فلذلك إذاً لمّا يأمر الله الزوج أن لا يأخذ إيذاء زوجته له بجدِّية وأن يعفو عنها ويصفح،فهو لا يأمر بذلك من أجل جناب المرأة...لكن لجنابه هو سبحانه!للسببين اللَذَين ذكرتهما(اللَذين يرجعان إلى إظهار عبودية العبد لله بتقديمه لحق الله على حق نفسه):٠

١-أنّ هذا أدعى إلى أن لا تقع المرأة في معصية الله ،لكونها ضعيفة جدّاً أمام سلطان المعصية

٢-أنّ صدور الإيذاء من المرأة لزوجها من فترة لفترة،هو أمر قدره الله لكي يتذكر العبد أنّ الله هو الوحيد المستحق للتعلق به والوحيد الذي ينبغي أن تُجعل له المحبة

لذلك قالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم:(ما ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ شيئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا؛ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبيلِ اللهِ، وَما نِيلَ منه شَيءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ؛ إلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

لاحظ أنّها ما مدحته على مجرد تجاوزه عن حقه إذا اعتدي عليه من قبل إحدى نساءه أو إحدى خدمه أو من يدعوهم إلى الدين،لكن مدحته على اقتران ذلك مع الانتقام وعدم العفو في حال كان المُعتدى عليه هو جناب الله 

فهذا القرن دلالة على أنّ التجاوز عن شخص تجاوز في حقّك،هو ليس محمود بشكل رئيسي لجناب هذا الشخص لكن لما يعود على الله من معانٍ،فمثلاً كافر دعوته إلى الإيمان فآذاك فتجاوزك عن أذيته لك هو ليس لجناب هذا الشخص لكن لجناب الله،لأنّ تجاوزك عنه سيكون أدعى له إلى قبول الإيمان من لو لم تتجاوز عنه وأخذت حقك منه

كذلك بالنسبة لامرأتك،عفوك عن تجاوزها في حقك هو ليس لما يعود لها لكن لما يعود لله من الغايات التي ذكرناها 

ففي حديث عائشة هذا قالت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ما سبق أن ضرب امرأة قط،لكن عندنا حادثة  عائشة لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من بيتها فتتبعته إلى البقيع ثم سبقته في طريق عودته إلى البيت، فلما أخبرته بما فعلت قال لها بعد ما لهدها في صدرها لهدة أوجعتها: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ 

فقد يتوهم التناقض بسبب عدم إكمال قول عائشة:"ما ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ شيئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا"٠

فبعدها استثنت استثنائيين "إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبيلِ اللهِ" و"إلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ"٠

ففي هذه الحادثة ضربها لأنّ خطأها وإن كان ظاهره في حق النبي صلى الله عليه وسلم فهو في الحقيقة خطأ في حق الله لأنّه فيه اتهام لله بأنّه يبعث شخص يقع منه حيف(أي ظلم)،لذلك قال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله"،فلهد النبي لها هنا إذاً هو ليس لجناب نفسه لكن لجناب نفس الله 

قال السندي في شرح هذه الحادثة:"فلهدني بالدال المهملة من الله  وهو الدفع الشديد في الصدر، وهذا كان تأديبا لها من سوء الظن. أن يحيف الله عليك ورسوله من الحيف بمعنى الجور أي بأن يدخل الرسول في نوبتك على غيرك، وذكر الله لتعظيم الرسول والدلالة على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من الله تعالى، فلو كان منه جور لكان بإذن الله تعالى له، وهذا غير ممكن."٠

لكن لما يكون خطأها في حق النبي المحض،تجد النبي يعفو عنها

كما في حادثة "جاء أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَة صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،فَأَذِنَ لَهُ ، فَدَخَلَ ، فَقَالَ : يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ وَتَنَاوَلَهَا، أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

قَالَ : فَحَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، قَالَ : فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا : أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ 

قَالَ : ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا"٠

طيِّب كيف معرفة كل هذا يزيل أي ذرة استشكال لحكم وجوب طاعة الزوج في الإسلام 

يزيله بتبيين أنّ هذه الطاعة هي بالحقيقة ليست لجناب الزوج لكن لجناب الله،فالزوج كثيراً ما سيتنازل عن حقّ نفسه فيها من أجل حق الله في أن لا يُعصى،لأنّ المرأة عندها ميل أكبر لمعصية الله 

أو بتعبير أفضل:سلطة الزوج على الزوجة في الإسلام هي بالحقيقة ليست لجناب الزوج لكن لجناب الزوجة،فالزوج كثيراً ما سيتنازل عن حظ نفسه من أجل أنّ الزوجة لا تخسر حظها في الآخرة بسبب ضعفها أمام معصية الله،فطُلِب عن الزوج أن يمنعها عن معصية الله وبأن لا يبالي كثيراً بحق نفسه لكي يكون هذا أطوع لها للاستجابة لمنعها من معصية الله


والحمد لله رب العالمين 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته