رد غير مستفز على من يُبيح قتل الكافر المدني
"رد غير مستفز على من يبيح قتل الكافر الغير محارب"
كثير من المسائل الشرعيّة يضلّ المرء فيها بسبب رؤيته أنّ كل من يتبنّى الصواب فيها يتبنّاه من منطلق فاسد قبيح
فيحسب عندها أن لا سبيل إلى تبنّي الصواب في هذه المسائل إلّا من هذا المنطلق الفاسد القبيح
فعندها مهما حاولت أن تُقنعه بالصّواب في هذه المسائل فلن تصل إلى أي نتيجة،لأنّ هذا المنطلق الفاسد القبيح يتجلّى أمامه كل ما تُفكِّر في محاولة إقناعه بالصواب فيها
وهذا يقع من المعاصرين أكثر ما يقع في ردّهم على من يقع في الغلو في مسائل شرعيّة معيّنة
وهو أنّه يُبيِّنون الصواب في هذه المسائل لكن من منطلق تمييعي أو من منطلق يُظهر الله بمظهر المتنازل عن حقِّه
فهذا هو ما عنيته ب"الرد الغير مستفز على من يبيح قتل الكافر الغير محارب " في عنوان هذا المقال،وهو أنّ ردّي سيكون عن طريق تبيين أنّه من الممكن تبنّي الحكم بالتحريم من منطلق غير تمييعي يُظهر الله في مظهر المتنازل عن حقِّه
وأيضاً ردِّي غير مستفز من جهة أخرى،وهي جهة أنّي أُقِر بحسنات موجودة عند المردود عليهم،أمّا غيري من الرّادين فيعاملونهم كأنّهم أبالسة
أوّلاً،ينبغي أن أذكر الحُجَّتين اللتين عادةً يرجع إليهما تبرير هؤلاء إباحتهم لقتل الكافر الغير محارب:
١-كونه كافراً،فقتله إذاً يُعدّ أمراً محموداً ومستحسناً؛لأنّه انتقام لجناب الله
٢-كون الكفار يقتلون من مدنيّي المسلمين،فإذاً ينبغي أن نقتل أيضاً من مدنيّيهم،من باب المعاملة بالمثل
-بالنسبة للرّد على الحجّة الأولى:
قال تعالى :{ وَهُم یَصطَرِخُونَ فِیهَا رَبَّنَاۤ أَخرِجنَا نَعمَل صَـٰلِحًا غَیرَ ٱلَّذِی كُنَّا نَعمَلُ أَوَلَم نُعَمِّركُم مَّا یَتَذَكَّرُ فِیهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاۤءَكُمُ ٱلنَّذِیرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّـٰلِمِینَ مِن نَّصِیرٍ }[سُورَةُ فَاطِرٍ: ٣٧]
الله سبحانه وتعالى له غايات تعود إليه يُحِب أن تتحقّق
فهو يُحب أن يُستغفر،يُحب أن يُمدح،يُحب أن يُخشى،يُحِب أن يُطاع...الخ
وبعض هذه الغايات قد تظهر في ظاهرها كأنّ فيها تنازلاً من الله عن حق نفسه
فعندها طائفة من أهل الدين ينفرون منها غاية النفرة ويسارعون في نفيها عن الله
ولا تحاول هذه الطائفة أن تطرح احتمالية أن يكون هناك طريق نستطيع من خلاله أن نثبت هذه الأمور لله بدون أن تظهر بمظهر تمييعي لحقّ الله
فكمثال،عفو الله عن المذنبين
الكثير يتصوّر أنّ الله إذا عفا عن المذنب فهو هكذا قد تنازل عن حقِّه
وهذا بسبب النظر الضيق لعملية عفو المرء عمّن اعتدى عليه
نظرٌ فقط يرى شخص اعتُدي عليه وما ظفر بحقه ممن اعتدى عليه
فلا يرى مثلاً ما تحقّق للعافي من لذّة بمدح الناس له على شدّة رباطة جأشه إذ اعتُدِيَ عليه باعتداء شديد ومع هذا تمالك نفسه وعفا عن اعتدى عليه
ولا يرى مثلاً ما تحقّق له من لذّة بالإحراج والخجل الذي يراه على وجه المعتدي لمّا يرى كيف أنّ شخص أذاه بكل هذا الأذى عفا وتجاوز عنه
ولا يرى مثلاً ما تحقّق له من لذة بشعوره بالإنجاز على أنّه قدر أن يغلب رغبة نفسه الشديدة بالانتقام
ولا يرى لذّات كثيرة أخرى تتحقّق له
فسيكون إذاً المُعتدى عليه خسراناً في حال لو لم يعفو وليس في حال لو عفا،لأنّه سيحرم نفسه من تحقيق لها كل هذه اللذّات،التي كل واحد منها ألذّ بعشرات مرات من لذّة الانتقام
فنفس الشيء بالنسبة لإبقاء الكافر حيّاً إلى نهاية أجله،فقط النظر بطريقة ضيّقة سيوحي لك أنّ هذا الأمر فيه تنازل عن حقوق الله وتمييع لها
لكن لو نظرت إليه بنظر أوسع فسترى أنّ إبقاء الكافر حيّاً يُحقِّق لله كثير من الغايات التي تعود لنفسه
التنازل عن حق الله والتمييع له سيكون إذاً هو عدم إبقاء الكافر حيّاً إلى نهاية أجله،لأنّ عندها سيُحرم الله من تحقيق لنفسه هذه الغايات الكثيرة التي تعود إليه
وهذه الغايات ترجع إلى غاية واحدة وهي أنّ الله يُحِب أن يُمدح،فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:ليس أحد أحب إليه المدح من الله
والمدح يكون على تجلِّي كماله،فكل ما يُجلّي كمال الله أكثر يحقّق أكثر لله ما يُحِبّه من مدح نفسه
وإبقاء الكافر حيّاً إلى نهاية أجله يُجلّي كماله سبحانه أكثر،من جهات متعددة(يرجع أغلبها إلى تجلي صفة العدل،أي:عدل الله في حكمه بالعذاب على الكافر)
من جهة أنّه لو عُمِّر أكثر فهذا أبلغ في إقامة الحجة عليه يوم القيامة لمّا يُحكم عليه بالعذاب ،فيُقال له يوم القيامة:عُمِّرت ٦٠ سنة ومع هذا ما اهتديت!...فكل يوم عشته مرّ عليك فيه ملايين الآيات
من جهة أنّ الإنسان ٩٩ بالمئة من العوامل التي تصدُّه عن الإيمان ترجع إلى الشهوة،والشهوة تضعف جداً في سنّ الشّيخوخة
فلمّا يُبقى حيّاً إلى سنّ الشّيخوخة يكون هذا أيضاً أبلغ في إقامة الحجة عليه يوم القيامة،فيُقال له:أنت عُمِّرت ٨٠ سنة،فالشيخوخة تقريباً عشتها لمدّة ٢٠ سنة!..ف٢٠ سنة عشتها وأنت معطّل عن ٩٩ بالمئة من العوامل التي تصدّ عن الإيمان،فالإيمان أصبح لك أسهل ما يكون ومع هذا متّ على عدم الإيمان!...فقبحاً لك!...إذا عذّبناك فليس هناك من هو أعدل منّا!
لذلك استفتحت الردّ على هذه الحجّة بقوله تعالى:{ وَهُم یَصطَرِخُونَ فِیهَا رَبَّنَاۤ أَخرِجنَا نَعمَل صَـٰلِحًا غَیرَ ٱلَّذِی كُنَّا نَعمَلُ أَوَلَم نُعَمِّركُم مَّا یَتَذَكَّرُ فِیهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاۤءَكُمُ ٱلنَّذِیرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّـٰلِمِینَ مِن نَّصِیر}[سُورَةُ فَاطِرٍ: ٣٧]
والتعمير ما يَتذكّر فيه من تذكّر ذُكِرَ في حدّه أقوال مختلفة،منهم من قال أنّه أربعين ومنهم من قال أنّه السّتين إلى السّبعين
قال الطبري:وقوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
اختلف أهل التأويل في مبلغ ذلك؛ فقال بعضهم: ذلك أربعون سنة.
* ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة.
⁕ حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله.
وقال آخرون: بل ذلك ستون سنة.
* ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن ابن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: ستون سنة.
⁕ حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم ستون سنة.
⁕ حدثنا علي بن شعيب قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن إبراهيم بن الفضل عن أَبي حسين المكي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يومُ القيامةِ نُودِي: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ".
⁕ حدثني أحمد بن الفرج الحمصي قال: ثنا بقية بن الوليد قال: ثنا مطرف بن مازن الكناني قال: ثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لَقدْ أعْذَرَ اللهُ إلَى صاحب السِّتَّين سنة والسَّبعين".
⁕ حدثنا أَبو صالح الفزاري قال: ثنا محمد بن سوار قال: ثنا يعقوب بن عبدٍ القاريُّ الإسكندريُّ قال: ثنا أَبو حازم عن سعيد المقبري عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "منْ عَمَّرهُ اللهُ ستين سنةً فَقَد أعذرَ إليهِ في العُمْرِ".
⁕ حدثنا محمد بن سوار قال: ثنا أسد بن حميدٍ عن سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة.
وأشبه القولين بتأويل الآية إذ كان الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ خبرًا في إسناده بعض من يجب التثبت في نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عن كماله في حال الأربعين
فسواء كان الراجح هو الأربعين أو السّتين،فالنتيجة لن تختلف على أي حال والّتي هي:كثير من الهجمات العشوائية التي يُنسّقها المقصودون بهذا الرّد ضد الغير محاربين من الكُفّار،قد يكون من ضحاياها من هم في العشرينات أو الثلاثينات من أعمارهم
طيّب هؤلاء كيف سيقول لهم الله يوم القيامة "أولم نُعمِّركم فيه ما يتذكّر فيه من تذكَّر"
إذا قال لهم ذلك سيكون جوابهم:نحن ما عُمِّرنا للأربعين أصلاً
طبعاً هذا لا يعني إباحة قتل من تجاوز الأربعين منهم،فإبقاء هؤلاء أحياء إلى نهاية أجلهم سيبقى أبلغ في إظهار استحقاق هؤلاء للحكم عليهم بالعذاب يوم القيامة
وأمر آخر بخصوص هذه الآية،بخصوص قوله تعالى فيها:وجاءكم النّذير
فالنّذير هنا هناك من فسّره بأنّه "الرّسول" وهناك من فسّره بأنّه "الشيب"٠
قال البغويّ:((وَجَاءَكُمُ النَّذِير)........قَالَ عِكْرِمَةُ،وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،وَوَكِيعٌ: هُوَ الشَّيْبُ.مَعْنَاهُ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ حَتَّى شِبتُمْ)
فالتّفسير بالشّيب أبلغ في إثبات حجّتنا،لأنّ سيكون في ذلك تركيز أكثر على أهميّة إبقاء الكافر حيّاً إلى نهاية أجله لكي يكون حكم الله بالعذاب على الكافر يوم القيامة أبلغ وأعدل،وبالتّالي يمدح الله نفسه على ذلك ويمدحه خلقه كذلك،وليس أحد أحب إليه المدح من الله
لذلك الحديث الذي النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه "ليس أحدٌ أحبّ إليه المدح من الله" قال بعده "وليس أحد أحب إليه العذر من الله"٠
الحديث كاملاً:(ليسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِن أَجْلِ ذلكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَليسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِن أَجْلِ ذلكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَليسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ، مِن أَجْلِ ذلكَ أَنْزَلَ الكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ)
فهذا قد يكون فيه إشارة إلى أنّ أحب شيء يُحِب أن يُمدح الله عليه هو الإعذار،ليس لجناب المُعذر لكن لجناب نفسه هو سبحانه لأنّه يُحِب ذلك،كما أن المرء يعفو عن من اعتدى عليه ليس لجناب المعتدي لكن لجنابه هو،لأنّ العفو يُحقّق له أمور يلتذّ بها ذكرناها مسبقاً،وإبقاء الكافر حيّاً إلى أقصى أجله فيه إعذار كبير
فهذا هو المراد من الآيات التي يأمر فيها الله النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة بأن يذروا المشركين ويتركوهم
المراد منها هو أنّ النبي والصحابة لعل كان يخطر على بالهم أنّ هؤلاء ما ينبغي أن يُبقوا أحياءاً لكونهم كافرين فاراد الله أن يقول لهم:"إبقاءهم أحياءاً إلى نهاية أجالهم هو أمر يحقق لي غايات تعود لي،لكي يكون كل يوم زيادة لهم في الحياة حجّة أحتج بها عليهم يوم القيامة،خصوصاً لمّا يصلوا إلى سن الشيخوخة فأحتج عليهم بحجة أخرى وهي حجة وصولهم لسن مُعطل فيه أكثر العوامل التي تصد عن الإيمان"٠
من الأمثلة على هذه الآيات:٠(وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي
(أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون
(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)
(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)
(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ).
قال البغويّ:"﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إِلَى أَنْ يَمُوتُوا"٠
وغيرها من الآيات...
ولا يُقال أنّ هذه الآيات نسختها آيات القتال،لأنّه إذا كان كذلك سيكون الإذن لليهود والنصارى بالبقاء أحياءاً على كفرهم إذا دفعوا الجزية هو أمر متناقض
فلا تعارض بين هذه الآيات وبين آيات القتال أصلاً لكي يُضطر إلى الزعم بأنّ هناك آيات نسخت آيات
فهذه الآيات ليس مراد الله منها هو "أبقوا الكفار أحياء ولا تجاهدوهم" فيُزعم عندها وجود تعارض بين هذه الآيات وبين الآيات التي تأمر بالقتال
لكن مراد الله منها هو ما ذكرناه من أنّ النبي والصحابة أصبحوا يظنون أنّ الكفار ينبغي أن لا يُبقوا أحياءاً لكونهم كافرين،فأراد الله أن يعالج هذا الإشكال عندهم وينبههم بأنّ إبقاءهم أحياءاً إلى أقصى أعمارهم أبلغ في إقامة الحجة عليهم يوم القيامة
لذلك الطبري كلما يأتي لتفسير هذه الآيات ويذكر أنّ هناك من قال بأنّ آيات القتال نسختها يذكر أنّ هذا زعم باطل لا معنى له فهذه الآيات لا تعارض آيات القتال أصلا لكي يضطر إلى القول بأنّها منسوخة وآيات القتال نسختها
فمثلاً في تفسيره لقوله تعالى:(ذروا الذين يلحدون في أسمائه ذكر أثر عن ابن زيد يقول فيه أنّ هذه الآية نسختها آية القتال وبعدها فنّد هذا)
قال الطبري :(١٥٤٥٧ -حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: "وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه) قال: هؤلاء أهل الكفر، وقد نُسِخ، نَسَخه القتال."٠
= ولا معنى لما قال ابن زيد في ذلك من أنه منسوخ، لأن قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، ليس بأمر من الله لنبيّه ﷺ بترك المشركين أن يقولوا ذلك، حتى يأذن له في قِتالهم، وإنما هو تهديدٌ من الله للملحدين في أسمائه، ووعيدٌ منه لهم، كما قال في موضع آخر: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، [سورة الحجر: ٣] الآية، وكقوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، [سورة العنكبوت: ٦٦] وهو كلام خرج مخرج الأمر بمعنى الوعيد والتهديد، ومعناه: أنْ مَهِّل الذين يلحدون، يا محمد، في أسماء الله إلى أجل هم بالغوه، فسوف يجزون، إذا جاءهم أجل الله الذي أجلهم إليه،جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، وتكذيب رسوله.)..انتهى كلامه
وسأذكر آيتين،يأمر الله فيهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك الكفار إلى حين موتهم لكي يكون كل يوم حجّة عليهم وبالتالي يُمدح الله على شدّة عدله يومين القيامة لما يحكم عليهم بالعذاب
قال تعالى:{ فَتَوَلَّ عَنهُم حَتَّىٰ حِین }[سُورَةُ الصَّافَّاتِ: ١٧٤]
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ :أي إلى الموت
قال تعالى:{ فَذَرهُم فِی غَمرَتِهِم حَتَّىٰ حِینٍ }[سُورَةُ المُؤمِنُونَ: ٥٤]
قال البغويّ في تفسير هذه الآية:﴿حَتَّى حِينٍ﴾ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا
الآن بالنّسبة للحجّة الثانية والتي هي:"الكُفّار يقتلون المدنيّين من المسلمين،فقتل مدنيّيهم إذاً هو من المعاملة بالمثل والله قال:(فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ) وقال:(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ)"
فعادةً يُرد على هؤلاء ب"من قتل مدنيّينا هم المحاربين من الكفار وليس هؤلاء المدنيّين،فالمعاملة بالمثل إذاً لا تنزل على هؤلاء المدنيين"٠
فهذا الرّد هو حسن لا شكّ،لكن أنا سأرُد من جهة أخرى
من جهة تبيين كيف أنّ مبيحي قتل الكفّار الغير محاربين من منطلق "المعاملة بالمثل" هم مُعطّلين لمظهر من مظاهر شدّة عبودية النفس لله!
تعطيل هذا المظهر هو أمارة من أمارات تمرّد النفس على الله وتقديمها لحظها على حظ الله
هذا المظهر هو أنّ في أمرك ونهيك للكافر أو المخالف للحقّ عموماً،إذا أوذيت نفسك تعفو وتغفر،من أجل أن تُخفف كل مداخل الاحتقان الممكنة عند المخالف،لكي يكون هذا مدعاة أكبر له إلى أن يترك شيء يؤذي الله أشدّ أذى والذي هو الكفر بالله
فإذا فعلت ذلك كان هذا أمارة على شدّة تقديمك لحظ الله على حظ نفسك
أمّا إذا اقتصّيت منه على أذيته لك فآذيته بالمثل،يعني مثلاً هو لكمك فأنت لكمته؛فهكذا سيحتقن منك وسيصدّه هذا أكثر عن ترك الكفر،فسيستمر على شيء يؤذي الله
وقد يُقال:"قد لا يحتقن لمّا يشهد أنّه ما لُكِم ظلماً وأنّه قد عومل بالمثل"٠
فالجواب على هذا هو "أغلب الناس إذا أوذوا يحدث لهم احتقان من هذا حتى لو شهدوا أنّه عدل"٠
وقد يُقال:"الكفار أغلبهم حتى لو لم ترد لهم أذاهم بمثله يظلّون على كفرهم على أي حال"٠
فالجواب على هذا:"مجدّداً نحن ليس هدفنا هو بالضرورة إدخال الكافر إلى الإسلام،لكن هدفنا هو أن نُقلِّل اكبر عدد ممكن تقليله من الأسباب التي قد تصده عن ترك الكفر،بحيث حتى لو ظل على كفره فسيكون هذا إبلغ في إقامة حجة الله عليه يوم القيامة لمّا يحكم عليه بالعذاب ويقول له:(حلنا بينك وبين هذه الأسباب الصادة عن ترك الكفر ومع هذا ظللت على كفرك،فإذا عذبناك فنحن لسنا بظالمين لك)،فيعني حتى لو بقي على كفره فسيتحقق لله غاية تعود إليه يُحِبّها وهي أن يُمدح من نفسه ومن الناس على شدّة إعذاره للخلق وليس أحد أحبّ إليه المدح من الله"٠
ومدح هذا الأمر مبثوت في النصوص بكثرة
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتُدي عليه عفا وإذا اعتُدي على جناب الله انتقم
قالت عائشة عنه :"مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ قَطُّ شَيْءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ فَإِذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّه"٠
٠ "وما نيل منه قطُّ شيءٌ فانتقم لنفسه":أولى ما يدخل في قولها هذا ما نيل منه عليه الصلاة والسلام في دعوته لله وأمره ونهيه،أمّا ما نيل منه لسبب دنيوي غير ديني فهذا ليس مما يُمدح عليه المرء بشدّة إذا لم ينتقم لنفسه ممن نال منه،لأنّ الانتقام ممّن نال منك لسبب دنيوي لا يصدر عنه مفاسد مثل التي تصدر عن الانتقام ممن نال منك لسبب ديني؛كأن مثلاً يؤدّي الانتقام إلى حدوث احتقان عند الذي نال منك يصدّه أكثر عن الدين
٠->فإذا كان كذلك سيكون جمع قولها هذا مع قولها بعده "إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله" معناه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا إلى الله واعتُدي عليه من المَدْعُوّين عفا ولم يرد الاعتداء،لكن إذا دعا إلى الله واعتُدي على جناب الله فعندها ينتقم
وهذا هو غاية الله من الآيات التي يدعو فيها النبي والمؤمنين بأن يعفوا ويصفحوا عن المشركين،غايته هو أن يحقق المؤمنين هذا المظهر لشدّة عبودية النفس لله،والذي هو أن إذا آذاك المشرك أثناء دعوتك له لا تنتقم منه لكي يكون هذا أدعى له إلى ترك شيء يؤذي الله وهو الكفر به،فيكون هذا دليل على تقديمك لحقّ الله على حقّ نفسك
وَإِن عَاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثلِ مَا عُوقِبتُم بِهِۦ وَلَىِٕن صَبَرتُم لَهُوَ خَیر لِّلصَّـٰبِرِین}[سُورَةُ النَّحلِ: ١٢٦]
قال الطبري:"وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية. وقيل: هي منسوخة أو محكمة، فقال بعضهم: نزلت من أجل أن رسول الله ﷺ وأصحابه أقسموا حين فعل المُشركون يوم أُحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المُثْلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يومًا، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل، وإيثار الصبر عنه بقوله ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المُثلة.
* ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامر: أن المسلمين قالوا لما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد: لئن ظهرنا عليهم لنفعلنّ ولنفعلنّ، فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ قالوا: بل نصبر.
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: لما رأى المسلمون ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد، من تبقير البطون، وقطع المذاكير، والمُثلة السيئة، قالوا: لئن أظفرنا الله بهم، لنفعلنّ ولنفعلنّ، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾"٠
وهذه الآيات نزلت في أقوام من الكفار صدر منهم اعتداء على المسلمين ومع هذا حثّ الله المؤمنين بشدّة على عدم مقابلتهم بالمثل،فما بالك بأقوام من الكفار المدنيين ما صدر منهم أي أذى للمسلمين فيأتي شخص من الجماعة المقصودين من هذا الرد فيطلق النار
وهذا الشخص قد يكون معذور عند الله فيما قام به،لأنّه يرى أنّ كل من يحرم فعله يحرمه من منطلق تمييعي لحقّ الله،فيؤدّي هذا إلى نفرته نفرة مطلقة من القول بتحريم فعله،لذلك أردت أنا أن أُبيِّن كيف أنّ من الممكن تبني الحكم بالتحريم من منطلق غير تمييعي لحقّ الله،بل بالعكس بيّنت أنّ المميع لحقّ الله هو الذي يقول بالإباحة،لأنّه يحول بين تحقيق لله غايات تعود إليه يحبها بشدّة مثل أن يُمدح على شدّة إعذاره وليس أحد أحب إليه المدح من الله،ومثل أن يرى عبده يعفو عن من آذاه من المشركين لكي يكون هذا أدعى لهم إلى ترك الكفر ودخول الإيمان
والحمد لله ربّ العالمين!٠
تعليقات
إرسال تعليق