فهم خاطئ لحديث الجارية


 "فهم خاطئ لحديث الجارية"


الكثير يستنبط من هذا الحديث أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم اعتبر فيه هذه الجارية مسلمة لأنّها تؤمن أنّ الله في السماء

وهذا الاستنباط خاطئ تماماً

فاثبات انتساب شخص لدين الإسلام يكون بناءً على اتسامه بِسِمة خاصة بدين الإسلام كإقراره بالشهادتين أو بأداءه للصلاة الإسلامية أو بكونه مختوناً...الخ

أمّا إثبات انتسابه إليه باتسامه بأكثر سِمة مشتركة بين الأديان->فهذا شيءٌ عجيب

فلو كان هناك أمر ما سبق أن حدث أي خلاف بين الأديان فيه فسيكون هو الإيمان بأنّ الإله الاعظم مكانه في السماء

وما كان يُنكر هذا إلّا النُّزّاع من الأمم أمثال فلاسفة اليونان مثل أرسطو وغيره

وهذه التي يتّحدث عنها الحديث هي متّصفة بصِفات من يتّصف بها يكون أبعد ما يكون عن إمكانية اطّلاعه على فلسفات اليونان وتبنّيه لها

فهي متّصفة بكونها أنثى أولاً وبكونها مملوكة ثانياً،فمثل هكذا شخص مستحيل أن يكون تعرّض لما يجعله يتبنّى  الاعتقاد بأنّ الله ليس في السماء

طيِّب إذا كان هكذا فما هو الجواب عن سؤال:"كيف النبي صلى الله عليه وسلم يُثبت لها الإسلام لكونها أقرّت بشيء ليس خاصاً بدين الإسلام،بل هو شيء مشترك بين ٩٩ بالمئة من الخلق؟"             ٠

الجواب عنه هو في فهم ماذا كان يقصد النّبي بسؤاله:"أين الله"                                                           ٠

فكلمة "الله" بهذا السؤال ليس المقصود به الذات العليا التّي تقر بوجودها الأديان! ٠

فيكون أراد بهذا السؤال عن مكان وجود هذه الذات...كلّا ليس هكذا! ٠


المقصود بكلمة "الله" هنا هو المعنى الحرفي لكلمة "الله"،والذي هو من يستحق أن يُصرف التّألّه له


فإذاً مُراده عليه الصلاة والسلام من هذا السؤال هو:"أين الذي يستحق أن يُصرف له التألّه؟" ٠

فأجابت الجارية:"في السّماء" ٠

أي:الذي يستحق أن يُصرف له التّألّه هو الذات العُليا التي في السماء

فيعني أقرّت بالشِق الأول من الإسلام وهو الإقرار بأنّه لا إله إلّا الله

"وبعدها لمّا سألها "من أنا" وأجابت ب"رسول الله

فعندها أقرّت بالشِقِّ الثاني من الإسلام والذي هو أنّ محمدّاً رسول الله

فلمّا اقرّت الشِقِّين اعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم مسلمة وأعتقها!  ٠

طيّب ما دليلك على تفسيرك هذا لكلمة "الله" هنا

دليلي هو أي معجم يبحث في معنى كلمة "الله"٠

وأيضا دليلي هو قول الله تعالى:وهو الله في السماوات والأرض

فكلمة "الله" في هذه الآية لو قلنا أنّ المقصود بها هو الذات العُليا التي تقر بوجودها الأديان

فعندها سنقع في الحلول

لأنّه سيكون معنى الآية أنّ الله موجود في كل مكان! ٠

لكن لو قلنا أنّ المقصود بها هو المعنى الحرفي لها وهو:"المستحق للعبادة" ٠

فعندها سنسلم من الوقوع في هذا 

وهذا ما قاله البغويّ في تفسير هذه الآية: ٠

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي: وَهُوَ إِلَهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ)،وَقِيلَ: هُوَ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ" ٠

وأيضا دليلي هو رواية أخرى لهذا الحديث رواها الطبراني

وهي:(أن رجلاً أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "إن عليِّ رقبة،وعندي جارية سوداء أعجمية، فقال: "ائتني بها" فقال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ " قالت: نعم. قال:"أتشهدين أني رسول الله؟ "قالت: نعم. قال:"أعتقها")

فإذاً هذه الرواية إذا أردنا أن نماثل بينها وبين الرواية الأولى لكي لا يكون هناك تعارض

فعلينا أنّ نقول أنّ عبارة "أتشهدين أنّ لا إله إلا الله"٠ فيها تساوي عبارة "أين الله" في الرواية الأولى

وعندها علينا أن نبحث عن طريقة نفسّر فيها سؤال "أين الله" بحيث أنّه يكون المطلوب منه هو السؤال عن ما إذا كانت هذه الجارية تشهد أنّ لا إله إلا الله او لا تشهد

وأنا قد ذكرت هذه الطريقة... ٠

والحمد لله رب العالمين!٠


ملاحظات

الآية:وهو الله في السماوات 

هذه الآية لا يُحتاج لاثبات بأنّها لا تتحدث عن مكان الله بناءً على أنّه ينبغي عليها أن لا تتحدث عن ذلك لكي لا نقع في إشكال الحلول

لأنّه قد يقول عندها الجهمي:"كيف تزعمون أنّه في التفسير ينبغي جعل العقل تابع للنص وليس النص تابع للعقل،ومع هذا جالسين هنا تخالفون هذا وتجعلون النص تابعا للعقل

فتفترضون في عقولكم أنّ الاعتقاد بأنّ الله في كل مكان هو اعتقاد قبيح،فلذلك ينبغي أن نفسّر النصّ على غير ظاهره،لأنّ ظاهره يُقر هذا الاعتقاد

فأنتم هكذا خالفتهم تأصيلكم وجعلتهم النص تابع للعقل" ٠

فالردّ على هؤلاء هو بأن يُقال لهم أنّ ظاهر النص يشير لهذا المعنى،ففي هذه الآية بعدما قال الله:"وهو الله في السماوات والأرض" أتبع ذلك بقول:"يعلم سرّكم وجهركم" ٠                       

فهذا الإتباع يدلّ على أنّ المقصود ب"وهو الله في السماوات والأرض" الكلام عن أُلوهيته وليس عن مكانه

لأنّ هذا كثير في القرآن:يقرن ذكر كونه عليماً/سميعاً/بصيراً مع ذكر كونه هو الوحيد المستحق للتّأله

كما قال سبحانه:{ قُل أَتَعبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا یَملِكُ لَكُم ضَرّا وَلَا نَفعا وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلعَلِیمُ }

[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٧٦]


وكما قال:{ إِنَّمَاۤ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَیءٍ عِلما }

[سُورَةُ طه: ٩٨]


وكما قال:{ إِذ قَالَ لِأَبِیهِ یَـٰۤأَبَتِ لِمَ تَعبُدُ مَا لَا یَسمَعُ وَلَا یُبصِرُ وَلَا یُغنِی عَنكَ شَیـٔا }

[سُورَةُ مَريَمَ: ٤٢]


فهذا القرن هو نوع من الإثبات لِلماذا هو الوحيد المستحقّ للتّألّه


بأنّ السبب في ذلك هو أنّه آلهتهم يا أيها المشركين لمّا تصرفون التأله لها لا تعلم أنّكم صرفتموه لها بينما أنا أعلم(إذا كان التأله المصروف باطني،مثل صرف المحبة أو الإجلال أو التعظيم...الخ)


ولا تسمعه بينما أنا أسمعه(إذا كان التأله المصروف قولي مثل الثناء بالكلام)

ولا تبصره بينما أنا أبصره(إذا كان التأله المصروف عملي مثل السجود أو الطواف او غيره)

٠-->فلذلك اصرفوا التّالّه لي فقط

طيّب لِماذا لا تعلمه/تسمعه/تبصره؟

->هذا ليس له علاقة بموضوعنا

لكن على أي حال السبب هو:

 يا إما لأنّها ميّتة والميّت معطّل عن هذه الحواس

كما قال تعالى:أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ

أو يا إما لأنّها حيّة لكن لا تقدر على علمه/سماعه/إبصاره لأنّها بعيدة مثلا

أو يا إمّا لأنّها حية وقادرة على علمه/سماعه/إبصاره لكنها غير قادرة على الاستجابة لما علمته/سمعته/أبصرته

كما قال تعالى:وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته