الرد على قولهم:إجبار الناس على تطبيق الدين سينفرهم منه


الرد على قولهم:إجبار الناس على تطبيق الدين سينفرهم منه


هناك اعتراض معين يعترض به الناس لمّا تقول أنّ الدولة في الإسلام ينبغي عليها أن تُجبِر الناس على تطبيق الدين

هذا الاعتراض يقول بأنّ إجبار الناس على تطبيق الدين سينفرهم منه

فسأرد على هذا الاعتراض بذكر حادثتين مركزيتين في التاريخ الاسلامي

١-حادثة ارتداد أغلب العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

٢-حادثة نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان


:١-بالنسبة للحادثة الأولى

هؤلاء المرتدين قبل ما يرتدّوا عن الإسلام ما كانوا داخلين فيه طوعا

لكن كانوا مجبرين على الدخول فيه و على الالتزام بشرائعه،وإلّا كان سيكون مصيرهم السيف

لأنه هذا هو الذي شرعه الله في الكفار ما عدا أهل الكتاب:الإسلام أو السيف

وأغلب الجزيرة العربية ما كانوا أهل الكتاب،فلذلك انجبروا على الدخول إلى الاسلام وتطبيق شرائعه خوفاً من أن يُقتلوا

وهذا قاله الكثير،مثل الضحاك الذي قال:أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا لا إله إلا الله أو السيف

ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية،فقال:لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)

ومثل قتادة الذي قال:كانت العرب ليس لها دين،فأكرهوا على الدين بالسيف. قال: ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس، إذا أعطوا الجزية

طيب الآن أليس المنطق يقول أنّ هؤلاء بما أنّهم أُجبروا غصبا على الإسلام وشرائعه وهم كارهون

أنّ هذا الجابر إذا ذَهَب ينتكسوا عن كل هذا الذي اجبروا عليه؟

نعم،لكن هذا لم يحدث.

الذي حدث هو أنّهم انتكسوا عن شيء واحد فقط من الذي أُجبروا عليه والذي هو الزكاة،أمّا آلاف الأمور الأخرى التي اجبروا عليها وهم لها كارهون فلم ينتكسوا عنها

فلم ينتكسوا عن الانتساب للإسلام

ولا عن ترك صرف العبادة لغير الله لوثن او لصنم

ولا عن الصلاة 

ولا عن ترك المخالفات التي كانوا عليها من قبل في شتى الأبواب(في باب الميراث وباب النكاح وباب الاطعمة والأشربة وباب اللباس والمظهر الخارجي وباب المخالفات التي تحدث بين الجنسين...الخ).....فقط انتكسوا عن الزّكاة

مع أنّهم كانوا نافرين من الالتزام بهذه الأمور أشد نفرة ،

فالقرآن كثيرا ما يصف شِدّة كره ونفرة المشركين من الإسلام وشرائعه


فعندك مثلا قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ

فالله يصف هنا أنّ شدّة نفرة المشركين من الإسلام وشرائعه هي مثل شدّة نفرة الحُمر لمّا ترى حيوان مفترس مثل الأسد مُقبل عليها.

وعندك أيضا قوله تعالى:يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ

فهذه الاية هناك قول آخر في نفسيرها غير القول الذي يقول بأنها تتحدث عن خوف المؤمنين من الجهاد

هذا القول يقول انها تتحدث عن شدّة نفرة المشركين من الإسلام وشرائعه

 قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: (هَؤُلَاءِ المشركون جادلوه فِي الحق كأنّما يساقون إِلَى الْموت حين يدعون إلى الإِسلام لكراهيتهم إياه وهم ينظرون.)

->فهم نافرين من الإسلام وشرائعه لدرجة أنّ دعوتهم إليها هو بالنسبة بمثابة سوقهم للموت وهم ينظرون.

فمع نفرتهم الشديدة هذه التي كانت عندهم من الإسلام َشرائعه،إلا أنّه كما قلت لم ينتكسوا إلا عن شيء واحد من الذي اجبروا عليه لما أُزيل هذا الجابر عنهم 

من الممكن أن يقال:لعلهم ما انتكسوا انتكاسة كلية،لوجود بقايا خوف عندهم من المسلمين

لكن هذا غير منطقي،سيكون منطقي في حال أنّ سلطان المسلمين ضلَّ له قوة معتبرة

لكن لمّا يُعلم أنّه ليس انحسر فقط لكن انحسر انحسار قياسي، فسيكون هذا التفسير غير منطقي البتة

فهذا السلطان انحسر لدرجة أنّ كل الجزيرة العربية صارت بأيدي المرتدين وبقي للمسلمين فقط مكة والمدينة والطائف

:وانحسر لدرجة أنّ عائشة رضي الله عنها قالت

لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب قاطبة واشرأبّ النفاق،والله لقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها،وصار أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كأَنهم مِعْزَى مطيرة فِي خَفْشٍ في ليلة مطيرة بأرض مسبعة

فقالت أنّ سلطان المسلمين انحسر لدرجة أنّهم صاروا بمثابة مِعزة تائهة لوحدها في أرضِ مَسبعةٍ(يعني أرض تكثر فيها السباع)،وفي ليلة شديدة الإظلام والإمطار

فإذاً هذا التفسير بأنّهم ما انتكسوا انتكاسة كلية لأنّه لم يزل عندهم بقايا خوف من سلطان المسلمين هو تفسير بعيد عن المنطق كل البعد

إنّما التفسير المنطقي الوحيد هو أنّ الإجبار على تطبيق الدين أزال النفرة التي كانت عندهم من الدين وشرائعه وصاروا محبين لها،بحيث أنّه حتى لو أزيل هذا الجابر وانحسر سلطانه لمستوى قياسي فسيبقوا ثابتين على أغلب شرائع الإسلام ما عدا عن جزء بسيط(نسبيا) منه مثل الزكاة

٢-أما بالنسبة لحادثة نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان

فالله أخبرنا أنّه لمّا ينزل عيسى عليه السلام،فجميع اهل الارض سيؤمنون ايمان حقيقي :(وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته)

روي عن قتادة انه قال في هذه الآية:قبل موت عيسى،إذا نزل آمنت به الأديان كلها 

طيّب ما هو السبب في إيمانهم كلهم إيمان حقيقي عند نزول عيسى عليه السلام؟

هل هو لأنّه إذا نزل سيقول لهم انا نبي من الله والله أنبأني أنّ الدّين الحق هو دين الإسلام

:أكيد ليس لهذا السبب

فمنذ الأزل والله يبعث الأنبياء للأمم ويقولوا لهم:"نحن أنبياء من الله والله نبأنا أن الإسلام هو الدين الحق ومع هذا ٩٩ بالمئة منهم يكفرون 

ويكذبّونهم في زعمهم أنّهم انبياء وأنّهم بالحقيقة يفترون على الله الكذب،أو أنّهم كهنة،أو أنّهم سحرة،أو أنّهم شعراء ....الخ الخ

 فيمكن أن يقولوا نفس الشيء لعيسى عليه السلام إذا قال لهم أنه نبي

 إلا إذا قيل أنّ هؤلاء منهم المُقرِّين بنبوتّه(مثل النصارى)

فإذا نزل وقال لهم أنّ الإسلام هو الدين الحق صدقّوه لأنّهم مقرّين بكونه نبيا من الله وأنّ ما يقوله هو صدق...-->حتّى هذا باطل،فممكن أن لا يعودوا مقرين بنبوتّه لمّا يأمرهم بما يخالف هواهم

أو ممكن يقولوا له:أنت لست أصلا عيسى عليه السلام،أنت فقط تفتري أنّك هو،عيسى الحقيقي لم ينزل بعد،ولو نزل فسيكون بريء من أن يدعو لدين شرير مثل دين الإسلام

طيّب هل هو لأنّ رؤية شخص ينزل من السماء على أجنحة ملكين،بعدما رُفع من الأرض قبل ألاف السنين هو شيء معجز؟

:أيضاً أكيد ليس لهذا السبب

فمنذ الازل والناس يُبصرون آيات معجزة تحدث أمامهم ومع هذا يبقون على كفرهم


فالناس ظلوا على كفرهم مع رؤيتهم لناقة صالح 

وظلوا على كفرهم مع رؤيتهم لآيات موسى التسع

وظلوا على كفرهم مع رؤيتهم لعيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والابرص ويحيي الموتى بإذن الله

وظلوا على كفرهم مع رؤيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم يشقّ القمر إلى نصفين


بل الله قال:وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ  يَعْرُجُونَ .لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مسحورون

فالله هنا يقول أنّه حتى لو كانت الآية معجزة للأبصار لهذه الدرجة فسيضل الناس ينكروها ويبقوا على كفرهم


وممكن هذا النزول المعجز ما يراه كل الناس فتبقى طائفة ما رأته،وهذه الطائفة قد تكون ملحدة لا تقرّ بالمعجزات من الأصل،فإذا قيل لها عن طريق الخبر أنّه شُهِدَ شخص ينزل نزولاً معجزاً من السماء،قالت ساخرةً: هل ما زال هناك في عصرنا هذا من يصدّق أنّ شيء مخالف لقوانين المادة مثل هذا من الممكن أن يحدث!٠


-->طيب إذا كان كل هذه الاسباب مستحيل أن تكون هي السبب في إيمان جميع اهل الارض ايمان حقيقي عند نزول عيسى عليه السلام،فما هو السبب إذاً؟

السبب هو أنّ عيسى عليه سيجبرهم على الدين،لأنّه سيضع الجزية

فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال:(والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية)


ووضع الجزية هو الغاءها،فلن يبقى لأي أحد الخيار في البقاء على دينه حتّى أهل الكتاب

سيبقى للجميع خيارين فقط:يا إمّا الدخول في الإسلام ويا إمّا أن يُقتل،فكلهم سيدخلون الإسلام كرهاً،لأنّهم سيكونون خائفين من أن يُقتلوا

:طيّب يمكن أن يُقال

هذا غير منطقي،فالله أخبر أنّهم سيؤمنون إيمان حقيقي مقبول معتبر:وإن من اهل الكتاب ليؤمنن به قبل موته

->و في نفس الوقت أخبر أنّ الإيمان الذي يكون عن كراهة وعدم محبة هو إيمان غير حقيقي وأنّه ليس بمقبول ولا بمُعتبر،كما قال سبحانه:فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

فأقسم أنّ إيمانهم لا يعد ايمانا معتبراً في حال كان عندهم تضايق في انفسهم منه،ولم يكن عن التسليم اليه تسليما،والتسليم هنا المقصود به التسليم القلبي بالمحبة والرضا وعدم الكراهية وليس التسليم الظاهر

فأليسَ هذا بتناقض؟

كيف اعتبر إيمان جميع الأرض عند نزول عيسى إيمانا معتبراً وهو عن كراهية وليس عن محبة،فهم أسلموا فقط لكي يسلموا من القتل؟؟


الجواب هو أنّ هذا الكره هو كان فقط في بداية الإجبار

لكن مع الزمن الإجبار ازال هذا الكره،وصاروا محبين للإيمان فعندها صار إيمانهم إيمان معتبر،يعني كما حدث مع مرتدين العرب


والحمد لله رب العالمين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته