هذه الآية لا تتحدث عن الملاحدة
فهم خاطئ منتشر لقوله تعالى:{ وَقَالُوا مَا هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا ٱلدُّنیَا نَمُوتُ وَنَحیَا وَمَا یُهلِكُنَاۤ إِلَّا ٱلدَّهرُ وَمَا لَهُم بِذَ ٰلِكَ من عِلمٍ إِن هُم إِلَّا یَظُنُّونَ }
->الكثير يعتقد أنّ هذه الآية تتحدث عن الملاحدة الذين ينكرون وجود خالق،وهذا الاعتقاد لا صحة له البتّة.
وقد نشأ هذا الاعتقاد عن تصوّرين
١-التصوّر الأول هو اعتقاد أنّه يلزم من اعتقاد عدم وجود حياة بعد الموت أن يكون معتقده ملحدا،وهذا خطأ تماماً،فهؤلاء الذين كانوا ينكرون هذه الحياة بعد الموت ما كانوا فقط يقرّون بالله لكن كان لهم نصيب كبير من التألّه والتعبّد لله،لكن كانوا فقط مشركين يجعلون نصيب من التعبد لله ونصيب لغيره،فهؤلاء الّذين ينكرون وجود حياة أخرى بعد الموت هم نفسهم الذين كانوا ينتسبون لدين إبراهيم ويصومون ويحجّون ويسقون الحاج ويعمرون المسجد الحرام (قال تعالى فيهم:"أَجَعَلتُم سِقَایَةَ ٱلحَاۤجِّ وَعِمَارَةَ ٱلمَسجِدِ ٱلحَرَامِ كَمَن ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلیَومِ الـَٔاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِی سَبِیلِ ٱللّهِ لَا یَستَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لَا یَهدِی ٱلقَومَ ٱلظَّـٰلِمِینَ")
قال الطبري :"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون الذين تقدّم خبره عنهم: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبا منهم بالبعث بعد الممات.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ : أي لعمري هذا قول مشركي العرب."
->فلاحظ أنّ الطبري وقتادة سمّوهم مشركين،والملحد لا يكون مشرك،إنّما المشرك هو الذي يجعل نصيب من المحبة والعبادة لله ونصيب لغيره
٢-والتصوّر الثاني هو اعتقاد أنّ الله ذكر قولهم:"وما يهلكنا إلّا الدهر" من جهة الإخبار أنّهم ينكرون وجود خالق هو الذي يميت الإنسان،وهذا اعتقاد إلحادي
وهذا أيضا خاطئ،إنّما قالوا هذه العبارة من جهة أنّ الإنسان لما يحدث له أمر يكرهه فقد يتسخط ويسبّه ويغفل أنّه بسبّه له يسب من قدّره،فنفس الشيء هؤلاء المشركون كانوا لما يرون الموت، الذي هو أمر تكرهه النفس، يسبّونه ويغفلون أنّ سبّ الموت هو سبّ لمن يقدره فأراد الله أن يذمهم على هذا
قال الطبري:وذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الشرك كانوا يقولون: الذي يهلكنا ويفنينا الدهر والزمان، ثم يسبون ما يفنيهم ويهلكهم، وهم يرون أنهم يسبون بذلك الدهر والزمان، فقال الله عزّ وجلّ لهم: أنا الذي أفنيكم وأهلككم، لا الدهر والزمان، ولا علم لكم بذلك.
والله ذكر عنهم في سورة يونس أنّهم يقرّون أنّه هو الذي يميت
{ قُل مَن یَرزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلأرضِ أَمَّن یَملِكُ ٱلسّمعَ وَٱلأَبصَـٰرَ وَمَن یُخرِجُ ٱلحَیَّ مِنَ ٱلمَیِّتِ وَیُخرِجُ ٱلمَیِّتَ مِنَ ٱلحَیِّ وَمَن یُدَبِّرُ ٱلأَمرَ فَسَیَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُل أَفَلَا تَتَّقُونَ }
[سُورَةُ يُونُسَ: ٣١]
ونقطة آخيرة:أنّ حتّى هؤلاء هم في الحقيقة لا ينكرون الآخرة مطلقا،إنّما ينكرونها لمّا مثلا يريدوا أن يريحوا أنفسهم من عناء إلتزام بفرائض دينية معينة
ولكن لمّا يتحرك في داخلهم الطمع في وجود حياة أخرى بعد الممات تتحقق فيها اللذة والنعيم التام ويُلتقى فيها بالمحبوبين فإنّهم يثبتون وجود هذه الحياة ويتحرّكون إليها بشيء من العبادة
والأدلّة على أنّهم لا ينكرون الآخرة مطلقا كثيرة ،منها قوله تعالى:( أَم حَسِبَ ٱلَّذِینَ ٱجترَحُوا ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن نجعلهم كَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَاۤء محياهم ومماتهم سَاۤءَ مَا یَحكُمُون)
-->فهنا أخبر أنّهم كانوا يحسبون أنّه سيجعل لهم نعيم عند الممات يساوي ما يكون للذين آمنوا
تعليقات
إرسال تعليق