منشأ الثناء الساذج على الممثل المقبوح سامح حسين

 

(منشأ الثناء الساذج على الممثل المقبوح سامح حسين)


في شهر رمضان الأخير عمل الممثل المصري المدعو ب"سامح حسين" برنامجا "دينيا"، فكثير من المنتسبين للتدين سارعوا إلى تمجيده و الثناء عليه و كتبوا عشرات المنشورات يعبرون فيها عن تقديرهم لِما قام به


إلا أنّ فئة قليلة من المتدينين الغير سذج اعترضوا وقالوا :لا ينبغي المسارعة في مدحه وهو شخص ما تبرأ من تمثيله وبيّن للناس أنّه معصية، بل بالعكس قد ظهرت منه أمارات تشير إلى أنّه لا يرى ما هو واقع فيه معصية أساساً ،بل يراه محمدة أهله يُعتبرون أمثلة على النجاح و التفوّق، ففي حلقة من حلقات برنامجه هذا لما جاء ليذكر أمثلة على من ينبغي أن يؤخذوا ك"قدوات للنجاح" جلس يذكر أسماء مغنيين وممثلين وكان ممّن ذكر:عادل إمام(الذي هو الرائد مشاهد الاستهزاء بالدين والمتدينين في الأفلام والمسلسلات العربية المعاصرة)


 وأيضا قالوا أنّه قد نشر إعلانات عديدة لفيلم جديد بعد رمضان له دور تمثيلي فيه فهذا دليل أيضا أنّه مصر على معصيته و على الترويج لها

فهذا خلاصة كلام هذه الفئة<--


فإذا كان هناك فاسق يُمدح على ظهور شيء من الخير منه 

فهو الذي لا يجاهر بمعاصيه أو على الأقل يجاهر بها لكن يقر للناس أنّها معصية ولا يزيّنها في أعين الناس ويسميها محمدة!

وأيضا نشر على قناته بعد رمضان برنامج جديد وفي إحدي حلقات جلس يصف مغنية اسمها نجاة بأنّها مثال على الفن الجميل

(https://youtu.be/1ifH_t_eEug)


وهذه الفئة لا شك أنّها أحسنت إلّا أنّهم ما عالجوا الخلل الذي عند المادحين لهذا الممثل من أساسه،والذي هو اعتقاد أنّ التعبد الذي دعا إليه هو خير أصالةً.

فإقرارهم على كون ما صدر منه خير سيبقي المادحين له غير متفهمين ل"لماذا هؤلاء ينهوننا عن مدح شخص دعا إلى نوع من التعبد لله وهو يأتي من خلفية يندر أهلها أن يصدر منهم مثل هذا ،وقد وصل بدعوته إلى فئات من الناس لا يستطيع الداعية الإعتيادي الوصول إليها "

-->وهذا الاستشكال منهم سيُنقض كلّه بمجرّد أن يبيّن لهم ماهية التعبد الذي دعا إليه وكيف أنّه لا قيمة لها


ولكي يُبيّن كيف ذلك--> ينبغي أولاً أن أذكر قصتي مع أمر كان كثيرا ما يحيرني في بدايات إقبالي على الدين 


وهي أني كنت أنصدم لما أرى من عنده منكرات فكرية أو سلوكية معينة و أدخل مثلا على صفحته الشخصية على الفيسبوك وأجده ناشر كلام عن الله.


فكمثال أنا تعرض لي يوميا أثناء تصفحي للفيسبوك عشرات المنشورات التي كل واحد منها يجمع عشرات ألاف الإعجابات من العامة المنتسبين للإسلام التي يكون مضمونها النهي عن الحكم على غير المسلم بأنه إنسان سيء وبأنه يستحق دخول النار أو يكون مضمونها الدعوة إلى محبتهم ومؤاخاتهم وتهنئتهم بأعيادهم 

ومثلا لما قتلت صحفية نصرانية على يد اليهود قبل سنوات رأيت الناس يقبلون أفواجا إلى الترحم عليها ووصفها بالشهادة و إلى شن الحرب على كل من ينكر عليهم ذلك

فكنت كل منشور من هذه المناشير أجلس دقيقة او دقيقتان أتصفح عشوائيا صفحات من عمل إعجاب له

وإذ بي أنصدم لما أدخل هذه الصفحات وأجد فيها منشورات فيها كلام عن الله وثناء عليه وذكر آيات من القرآن، فأقول في نفسي كيف هؤلاء ليسوا بملاحدة ليس عندهم أي نصيب من التعبد لله

لأنّ هذا المغزى من الإيمان بأي دين وهو رؤية الغير منتسب له إنسانا سيئا مذموما وأنه يستحق دخول النار لو لم يمت عليه، فكيف هؤلاء عندهم شيء من التعبد لله وينشرون على صفحاتهم ثناءات ومدائح لله و آيات من القرآن 


وصادفت فترة بداية إقبالي على الدين فترة دخولي إلى الجامعة ولما دخلتها ورأيت المخالفات التي يقع فيها طلابها من جهة اللباس و ضوابط التعامل بين الجنسين 

وكنت مثلا أرى كيف الطلاب يمازحون ويضاحكون الطالبات بكل أريحية ويتصورون معهن صور جماعية ويقيمون حفلات مخلتطة معهن

وأنا إذا واجهتني واحدة منهن لكي تسألني سؤال فمن شدة الحرج أتلعثم بالجواب ونبضات قلبي تتسارع وأشعر كأنّ جبل قد وُضِعَ على كاهلي من هول هذه المواجهة 

فعندها كنت اقول في نفسي أكيد هؤلاء الطلبة لا يعرفون الله البتة وليس عندهم أدنى تعبد أو تأله له 

وعندها أيضا قررت أن أتصفح عشوائيا بعض حسابات هؤلاء وإذ بي مجددا انصدم لما أدخل صفحاتهم الشخصية وأجد كل واحد منهم ناشر عدد من المنشورات عليها فيها كلام عن الله وأدعية وآيات، فعندها أقول في نفسي:كيف من يصدر منهم هكذا مخالفات في التعامل مع الجنس الآخر ليسوا بملاحدة صرف؟ 


ونفس الشيء لما أرى منشورات فيها سخرية من متدين نهى عن محرم معين أو أمر بواجب معين 

أو سخرية من شعيرة معينة مثل الحجاب الكامل أو اللحية اتوقع أن يكون أصحاب هذه المنشورات والمعجبين بها ملاحدة صرف إذ كيف من تصدر منه مثل هذه السخرية الشديدة تجاه أحكام الدين يكون عنده أي تأله او تعبد لله فلما أدخل إلى صفحاتهم أنصدم أيضا لما أجد فيها كلام عن الله 


ومثال آخر لما كنت أرى من يبين حكم شرعي معين مثل وجوب تطويل اللحية وتحريم الأغاني

ويقال له في التعليقات :تتحدثون عن الحكم الشرعي الفلاني وتنسون التحدث عن غلاء أسعار الأكل والشرب

فكنت أقول مستحيل ان لا يكون من يطلق مثل هذه عبارات التي مضمونها تقديم الأكل والشرب على أمور الآخرة لا يكون ملحدا دهريا لا يؤمن ببعث ولا حساب فإذ بي أدخل صفحته وأجد فيها عشرات المنشورات التي فيها كلام عن الله


وهكذا ظللت سنوات وأنا كل يوم أرى عشرات المواقف سواء على أرض الواقع او على صفحات التواصل الإجتماعي واقول أن أصحاب هذه المواقف لا يعرفون الله البتة وإذ بي أجد أن عندهم شيء من التعبد لله

وأنا كل يوم أزداد حيرة أكثر وأكثر من كيف يكون هذا منطقيا؟


إلا أنّه في يوم من الأيام خطرت على بالي فكرة وهي:طيب لماذا لا أبحث في نوعية التعبد الذي صدر من هؤلاء، لعلي اذا بحثت في نوعيته يزول توهم التناقض بين أن يكون المرء عنده كذا وكذا من المنكرات الفكرية والعملية وبين أن يكون عنده هذا النوع من التعبد


وصادف أني في هذا اليوم كنت قد بدأت قراءة كتاب مدارج السالكين لابن القيم وأثناء وصولي لهذا النص منه قفزت فجأةً من مكاني وصرت ادور حول نفسي في الغرفة لأني أخيراً وجدت الحل لإشكال يحيرني من عدة سنوات 


وهذا النص كان في سياق كلامه عن التوكل على الله حيث قال عنه

:ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورةً بالنازلين لسعة متعلَّق التوكُّل، وكثرةِ حوائج العالمين، وعمومِ التوكُّل، ووقوعِه من المؤمنين والكفار، والأبرار والفجَّار، والطير والوحش والبهائم. فأهل السّماوات والأرض ــ المكلَّفون وغيرهم ــ في مقام التوكُّل وإن تباين متعلَّق توكُّلهم: 

فأولياؤه وخاصَّته متوكِّلون عليه في حصول ما يرضيه منهم وفي إقامته في الخَلْق، فيتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، وفي محابِّه وتنفيذ أوامره. 

ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا من الناس

ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في معلومٍ يناله منه من رزقٍ، أو عافيةٍ، أو نصرٍ على عدوٍّ، أو ز١وجةٍ أو ولدٍ، ونحو ذلك. 

ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في حصول ما لا يحبه ويرضاه من الظلم والعُدوان وحصول الإثم والفواحش، فإنَّ أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلَّا باستعانتهم بالله وتوكُّلهم عليه، بل قد يكون توكُّلهم أقوى من توكُّل كثيرٍ من أصحاب الطاعات. ولهذا يُلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلِّمهم ويُظْفِرهم بمطالبهم. 


فلما رجعت إلى حسابات هؤلاء الذي حيرني وجود عندهم نصيب من التعبد لله وجدت أن نوعية هذا التعبد الذي بقي عندهم هو عين هذا التعبد الذي قال عنه ابن القيم أنه لا يكاد مخلوق إلا و يكون عنده نصيب منه وهو التعبد المتعلق بطلب توفيق الله في الحاجات الدنيوية وإحسان الظن به في تحقيق الأمنيات 

 

فتجد كل الآيات التي ينشرونها التي استغربت كيف أن  من يقع في مثل هذه الطوام العقدية والعملية ينشر شيء من كلام الله هي الآيات المتعلقة بهذا النوع من التعبد البهيمي الذي لا قيمة له عند الله

فذاك الذي يهزأ من الحجاب الشرعي واللحية وتحريم الغناء في الاعراس مثلا ينشر آية : ولسوف يعطيك ربك فترضى وهو يقصد بالاستدلال بهذه الآية أن الله يخاطبه ويعده بأنها سيعطيه من أمور الدنيا حتى يرضى 

وذاك الذي يصف المسيحي بأنه أخ له و يهزأ من اعتقاد تكفيره ويفتخر بالتعايش الديني معه ويهنئه بأعياده ينشر آية :قد أوتيت سؤلك يا موسى 

وهو يقصد بالاستدلال بها أن الله يخاطبه بها ويعده بأنه سيوتيه ما سأله من أمور الدنيا

ولا يدري أنها قيلت في سياق سؤال النبي موسى للتوفيق في أمور دينية

وذاك الذي يقول لا تحكموا على شخص بناء على التزامه بصلاة الجماعة أو باللحية( أو بالحجاب الكامل إذا كانت امرأة) ولكن احكموا على أخلاقه 

أو يقول بشكل عام لا تحكموا على أي أحد بناء على دينه أو طائفته، وتنصدم إذا دخلت صفحته كيف مثل هذا ينشر عليها مقطع دعوي وإذ بك لما تفتح هذا المقطع تجده لداعية يتكلم عن عدم الاستحياء من طلب كل ما تريده وتتمناه من أمور الدنيا في يوم عرفة 

 ومنهم من ينشر آية:فاصبر لحكم ربك بأعيننا

ومنهم من ينشر آية:لا تحزن إن الله معنا

وهكذا إلى آخره....( وهم لا يدرون أن هذه الايات هي لم تنزل في سياق تسلية النبي وأتباعه في الأذى الدنيوي المحض ولكن نزلت في الأذى الديني الذي كان يواجه به النبي صلى الله عليه وسلم ممن كان يدعوهم إلى الدين،والذي هم أصلا يعرِّضون المؤمن إليه اليوم لمّا يأمرهم وينهاهم) 


وازداد الأمر اتضاحا أكثر واكثر كيف أنّ هذا التعبد مشترك بين عموم الخلق (فلا يصح أن يمدح عليه المرء) لمّا بالصدفة وقعت على صفحة نصرانية فيها مثل هذه الاقتباسات والعبارات المتعلقة بهذا التعبد البهيمي وكل منشور من هذه المناشير يجمع عشرات ألاف الإعجابات من المسيحيين

فكمثال هذا المنشور من صفحة نصرانية نصّه :

"God is going to do something amazing in your life,keep moving forward"

أي:"الله سيقوم بشيء مدهش في حياتك،واصل السير إلى الأمام"

وقد جمع هذا المنشور ٩٠ ألف إعجاب 

رابط المنشور

http://youtube.com/post/UgkxlzIkGem3edEpJOzqKNcB8h8_003aN0Yc


ومنشور آخر نصّه :

"Don't be shocked when doors start opening up for you,it's your prayer being answered by the favor of God"

أي:"لا تنصدم عندما تبدأ تنفتح الأبواب لك فذاك دعاءك يتم استجابته بفضل الله" وقد جمع هذا المنشور ٨٨ ألف إعجاب

رابط المنشور:

http://youtube.com/post/UgkxoNpy7MTzCdZJyqkJZEv-c_UzqaDDoOie


ما علاقة كل هذا بسامح حسين؟

:علاقته أن كل حلقات برنامجه الديني موضوعها هو هذا النوع من التعبد الذي بالغ ابن القيم في وصف كيف أنّه تعبد مشترك بين عموم الخلق ولا قيمة له،في النص الذي نقلته عنه من مدارج السالكين


لذلك عدد من حلقات برنامجه وجدت عليها تعليقات لمسيحيين يعبرون فيها عن إعجابهم بها ،لأنّ هذا التعبد الذي يدعو إليه عموم الخلق يُعجبون به و يكون عندهم نصيب منه.


فلو تأملوا لثانيتين نوعية هذا التعبد الذي صدر منه ودعا إليه لما سارعوا في تمجيده وتعظيمه و لما سلقوا المؤمن المتسامي التقي بألسنة حداد بمجرد أن يفكّر في أن يقول بأنّه لا يصح مدح سامح حسين،بينما تكون ألسنتهم ألين ما تكون مع هذا الممثل الشنظير الفحّاش


ويبنغي أنّ هذا التعبد المشترك قد لا يقتصر فقط على ما يتعلق بالتوكل على الله في تحقيق الأمنيات الدنيوية،بل قد يشمل أيضا طلب مشترك بين عموم الخلق في وجود حياة فيها النعيم المطلق واللذة التامة بعد الموت فيحركهم هذا الطلب إلي شيء من التعبد لله ،وأيضا جميع الخلق يموت لهم أقارب فيرغبون في وجود حياة آخرى بعد الموت يلتقون فيها وأيضا هذا يحركهم إلي شيء من التعبد لله ،وأيضا عموم الخلق عندهم طلب مشترك في الاتصال الروحي بذات علوية وأيضا هذا يحركهم إلى شيء من التعبد

فأردت أن أبيّن هذا لحتى لا يقال :طيب هناك حلقات من برنامجه كان يدعو فيها إلى  الإقبال على الدار الآخرة مثلا،فلا يصح منَّك أن تقول أنّه فقد اقتصر على ذكر التعبد المتعلق بتحقيق المطالب الدنيوية البهيمية.


طيب متى يُمدح المرء إذا دعا إلى تعبد معين؟

يُمدح على حسب ما يدعو إليه من أمور عملية الناس مقصرون فيها مثل سماع الأغاني وعدم الالتزام بالحجاب الصحيح و حلق اللحية..الخ

أو أمور فكرية الناس عندهم خلل فيها مثل محبة غير مسلم وعدم اعتقاد دخوله إلى النار إذا مات على كفره وتهنئته بأعياده الكفرية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته