لماذا ينزل الله عبادة المشرك له منزلة العدم؟

لماذا ينزل الله عبادة المشرك له منزلة العدم؟


كثيرا تمر عليك آيات تصف عذاب أهل النار بأوصاف تبلغ بالقلوب لدى الحناجر، و لما تأتي هذه الآيات لتذكر من هم أهل هذا العذاب تذكر أنهم مشركون


فأنت ستقول في ذات نفسك:

"طيب هذه الآيات هي تقر انه هؤلاء ما كانوا "يفردون" آلهتهم بالعبادة فيجعلون كل عبادتهم لها

ولكن كانوا فقط "يشركون" فيجعلون نصيبا منها لله و نصيب لآلهتهم

فأنا أتفهم كون هؤلاء يستحقون العذاب لكن لماذا يكون بهذه الطريقة التي توحي أن هؤلاء قوم ما عندهم أدنى حظ من التعبد لله


فكل المشركين المخاطبين في القرآن هم أقوام كانت لهم صلاة وصيام وحج وصدقة يجعلونها لله ،وكان في خطاباتهم وأشعارهم كلام بديع في تعظيم الله والثناء عليه

وعندك مثلا قريش كانت تسميها العرب من شدة تعبدها لله حمسا والحمس هو الشدة في الدين

-->فلماذا كل هذا لا يعد له إعتبار في يوم القيامة فعلى الأقل يخفف عنهم بسببه شيء من العذاب؟


وكمثال على هذه الآيات ما قاله تعالى في سورة غافر:

{ إِذِ ٱلأَغلَـٰلُ فِیۤ أَعنَـٰقِهِم وَٱلسَّلَـٰسِلُ یُسحَبُونَ )(فِی ٱلحَمِیمِ ثُمَّ فِی ٱلنَّارِ یُسجَرُونَ)[سُورَةُ غَافِرٍ: ٧١-٧٢]

فأنت لما تقرأ كل أوصاف العذاب هذه ستقول في نفسك:

"بالتأكيد هؤلاء قوم ليس لهم أي حظ من التعبد لله "

وإذ بالآيات التي بعدها تخبر أنهم ما كانوا كذلك لكن كانوا مشركين يجعلون نصيبا منها نصيبا لله و نصيبا لغيره:

( ثُمَّ قِیلَ لَهُم أَینَ مَا كُنتُم تُشرِكُونَ }{ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..}  

[سُورَةُ غَافِرٍ: ٧٣-٧٤]


فلماذا إذاً عبادتهم هذه لله تُنزل منزلة العدم؟

لكي يفهم لماذا ينبغي أن يُعلم أمران :


١-الأول:أن الشرك المذكور في القرآن يُقصد به الشرك في المحبة


فالمخاطبون في القرآن ما كانوا يشركون الهتهم مع الله في ربوبيته فيعتقدون أن لها نصيب من الملك أو الرزق أو التدبير لكن كانوا يشركونها معه في المحبة كما قال تعالى:{فَلَا تَجعَلُوا لِلَّهِ أَندَادا وَأَنتُم تَعلَمُونَ } [سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٢]

وبعدها بين ماهية هذه الندية فقال { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادا یُحِبُّونَهُم كَحُبِّ ٱللَّهِ ... }

[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٦٥]


قال ابن تيمية:

وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره وإنما كان شركهم كما ذكرنا أن اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم  كحب الله وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك


٢-والثاني،

أن الناس يكون عندهم عدد من المحبوبين وكل واحد منهم يُصرف له نصيب من المحبة لا يُجعل للآخر لما عند هذا الآخر من صفات تدعو إلى محبته غير موجودة في الأول

فمثلا الناس تجعل نصيبا من المحبة لملك من الملوك لما ترى عنده من جلال و هيبة وسلطة

وتجعل نصيبا من المحبة لشاعر من الشعراء لما ترى عنده من براعة في التعبير بكلماته عن مشاعر معينة من الحب و الشوق وغيرها وقد يكون عنده أيضا صوت حسن يتغنى بهذه الكلمات به

وتجعل نصيبا من المحبة لشخص آخر لجمال وحسن صورته


فيجعلون لكل واحد من محبوبيهم هؤلاء نوع من المحبة لا يجعلوه لغيره لأن كل واحد من هؤلاء يحب من جانب أو وجه معين غير موجود عند الآخر

ومحبوبيهم هؤلاء كلهم يرضون بذلك ولا يعترضون عليه لأنهم يرون أن غيرهم من المحبوبين عندهم من الصفات الداعية للمحبة ما ليس عندهم هم

-فالملك يرضى بأن يُجعل لصاحب الصورة الحسنة نصيبا من المحبة لا يُجعل له لأنه يرى ما عند هذا الشخص من جمال الصورة مما ليس عنده هو 

-و صاحب الصورة الحسنة يرضى بأن يُجعل للملك نصيبا من المحبة لا يُجعل له لأنه يرى أن هذا الملك عنده من الجلال والهيبة و السلطة ما ليس عنده،

-والملك و الشاعر كلاهما يرضى بأن يُجعل للشاعر نصيبا من المحبة لا يجعل لهما لما يرون ما عنده من فصاحة الشعر وحسن الصوت مما ليس عندهم


وكل هؤلاء المحبوبين يتفاخرون ويفرحون بأن الناس تجعل لهم نصيبا من المحبة مع علمهم بأنه لا يجعل لهم كامل المحبة،

لكن في حال رأى أحد منهم أن الناس احبوا غيره لسبب هو موجود عنده ،فعندها لن يرضى وسيغضبه ذلك ويسخطه


-->ولذلك الله سبحانه وتعالى لا يرضى أن يُشرك غيره معه في المحبة،لأن الله لا توجد أي صفة تدعو الى المحبة إلا وهو متصف بها بل وما في أحد اشد اتصافا بها منه

وهذا هو تعريف المثل الأعلى في قوله تعالى: ولله المثل الأعلى

قال ابن تيمية:ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به


فبالنسبة للأمثلة التي ذكرناها في الملك والشاعر وصاحب الصورة الحسنة فالله يجتمع فيه كل هذا

 -فبالنسبة للملك فالله له كل الملك ولا شريك له في ملكه هذا ولا ظهير

-وبالنسبة للفصيح صاحب الصوت الحسن فالله كلام أبلغ الكلام وأقواه في التعبير عن معاني المحبة من الاخلاص والصدق، وسماع  كلامه بصوته سبحانه من نعيم الجنة

-وبالنسبة للشخص صاحب الصورة الجميلة فالله فإذا كشف وجهه لأهل الجنة نسوا كل ما هم فيه من النعيم وانشغلوا بالنظر اليه


وهكذا لا توجد أي صفة داعية الى المحبة الا والله متصف بها،والنصوص الشرعية دائما تفاجئك كيف أنه أي صفة من هذه الصفات تخطر على بالك ستجد مباشرةً هناك نص يثبتها لله:


-فمثلا أنا أحب أن محبوبي يعجب مني اذا عملت له فعلى طول تجد هناك نصوص تثبت أن الله يعجب 

-ومثلا انا أحب في المخلوق حياءه فايضا تجد مباشرة هناك نصوص تثبت صفة الحياء لله

-ومثلا تجد الناس تعظم من عندهم أجساد عظيمة لما يحقق لهم النظر إليها من لذة ،فأيضا على طول تجد نصوص تثبت أن لله صدرا و ساقا وأن من نعيم الجنة النظر إليهما


وهذا الذي ذكرته في سبب إنزال عبادة المشرك لله منزلة العدم هو مذكور في الحديث القدسي:"أنا أغْنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ ، مَنْ عمِلَ عملًا أشركَ فيه معِيَ تركتُهُ وشِركَه"

فالشرك في هذا الحديث يُقصد به الشرك في المحبة 

والغنى يُقصد به الغنى المضاد للافتقار الى صفة تدعو الى المحبة هو سبحانه غير متصف بها،فيضطر العبد الى أن يبحث عن شخص آخر عنده هذه الصفة ويجعل له جزءا من محبته


ولذلك يقترن ذكر الأمر بعبادة الله وحده وبالاخلاص مع ذكر أن الحمد لله،فالإخبار أن الحمد ب"ال التعريف" لله معناه أن المحامد كلها لله والمحامد هي الصفات الداعية للمحبة :فإذاً "الحمد لله" معناها أنه ما من صفة تدعو إلى المحبة إلا والله متصف بها

وسأذكر ثلاثة مواضع يُذكر فيها هذا الإقتران:


١-الأول من سورة الفاتحة:

 في سورة الفاتحة الله أمر بحصر المحبة له فقط فقال "إياك نعبد" والعبادة لبها المحبة

وقبلها ذكر لماذا ينبغي هذا الحصر وهو لأن الحمد كله له "الحمد لله رب العالمين" :أي ما من صفة تدعو الى المحبة الا والله متصف بها فلذلك أحصروا المحبة لي أنا فقط ولا تجعلوا لغيري نصيبا منها

-->قال ابن تيمية:

قال تعالى: {الحمد لله رب العالمين} فذكر (الحمد بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد  فدل على أن الحمد كله لله ثم حصره في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . فهذا تفصيل لقوله: {الحمد لله رب العالمين} .


٢-والثاني في سورة غافر:

{ هُوَ ٱلحَیُّ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدعُوهُ مُخلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَـٰلَمِینَ }

[سُورَةُ غَافِرٍ: ٦٥]

فأيضا ذكر لماذا ينبغي أن تخلص له المحبة هو لأن الحمد كله لله أي:ما من صفة تدعو الى المحبة الا وهو متصف بها


٣-والثالث في سورة الزمر

 :{ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا رَّجُلا فِیهِ شُرَكَاۤءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلا سَلَما لِّرَجُلٍ هَل یَستَوِیَانِ مَثَلًا ٱلحَمدُ لِلَّهِ بَل أَكثَرُهُم لَا یَعلمون}


فالرجل السلم أو السالم لرجل (كما في بعض القراءات) فسره السلف بأنه هو الذي ليس فيه أي شيء من المحبة لأحدٍ سواه

عن ابن عباس، أنه قرأها: (سالما لرجل). يعني بالألف، وقال: ليس فيه لأحد شيء


فذكر أن السبب الذي من أجله ينبغي أن يكون الشخص سلما له (أي خالصا له)- سبحانه هو لأن الحمد كله له ،يعني ما في صفة تدعو الى المحبة الا وهو متصف بها


فهذا سبب و هناك سبب آخر وهو:

 أن بقاء عندهم شيء من التعبد والتأله لله هو ليس بإنجاز يحتذى به، لأنه ما من أحد إلا و يشهد اضطرارا شيء من عظمته أو شيء مننعمه الدنيوية فينشأ عنده نصيب من المحبة والتعبد لله،فأن يكون عندك حظ من التعبد لله هو أمر اضطراري أنت لا تمدح عليه، لكن أن يكون تعبدك كله كاملا لله فهذا هو الإنجاز الذي يُحتذى به

-فلذلك إذا جاء شخص ونفى صفة من صفات الكمال عن الله مثل صفة الوجه،وقلت له أن هذا فيه تنقص من الله فقد يجيبك أن على فرض أن هذه صفة كمال فلا يلزم من نفيها عن الله أن يكون تنقصا منه،فعندك مثلا الطبيب والمهندس الناس تقر أن الطبيب أعظم وأجل من المهندس بمراحل مع علمهم بأن الطبيب يخلو من صفة كمال موجودة عند المهندس وهي العلم بالهندسة فيقال له هو لا يعد تنقصا من الله من هذه الجهة لكن من جهة أن مراد الله بأن لا يجعل لغيره أي نصيب من المحبة فإذا رأى العبد شخصا له وجه جميل وكان ينفي عن الله أن له وجها فهذا مدعاة لأن يجعل لهذا الشخص نصيبا من المحبة لا يجعله لله لأن الله عنده ليس له وجه جميل ،وهذا هو الشرك الذي يسبح الله نفسه عنه { سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ } [سُورَةُ النَّحۡلِ: ١] { سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا یُشۡرِكُونَ } [سُورَةُ الطُّورِ: ٤٣]


ويقال له أن كلامك هذا ممكن يصح في حال إفترضنا أن مراد الله هو أن يقر بأنه أعظم إجمالا من غيره،لكن ليس هذا هو مراده 

فالمشركون كانوا يقرون أن يقرون بأن الله أعظم إجمالا من آلهتهم فكانوا يقرون أن الله خالق آلهتهم ومالكها ومحييها ومميتها وأن له الملك المطلق آلهتهم ليس لها مثقال ذرة من الملك،لكن مراده هو أن المحبة تجعل له وحده فقط

ففي المثال الذي ضربته صحيح أن الناس تقر فيه أن الطبيب أعظم إجمالا من المهندس لكن في نفس الوقت تجعل لهذا المهندس نصيب من المحبة لا تجعله للطبيب لما عند المهندس من صفة كمال غير موجودة عند الطبيب وهي العلم بالهندسة


فالله أكثر ما يسبح نفسه عنه في القرآن هو الشرك (في المحبة) وهو أمر لا يعد بشكل عام نقصا ومذمة
كما في مثال الطبيب: الناس تشرك معه المهندس في المحبة لما عند هذا المهندس من صفة كمال غير موجودة عند الطبيب
مع إقرارها بان الطبيب أعظم بمراحل من المهندس( لأن نفع الطب الناس أحوج عليه بكثير من نفع الهندسة)
ويقرون بأن خلو الطبيب من هذه الصفة وما يترتب عن خلوها من استحقاق المهندس لنوع من المحبة لا يُجعل للطبيب لا يعد مذمة للطبيب من أي جهة من الجهات
-->لكن الله هذا يَعُد هذا مذمة أي أن يُجعل نصيب من المحبة لغيره ولا يُجعل له هو سبحانه،
لذلك كما قلنا الله أكثر ما يسبح نفسه عن الاتصاف به ويتعالى عنه هو أن يشرك معه أحد في المحبة مع أنه مجددا هذا لا تعده الناس مذمةً بشكل عام (كما في مثال الطبيب)

سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣١ التوبة﴾
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١٨ يونس﴾
تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣ النحل﴾
فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٩٢ المؤمنون﴾
تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٣ النمل﴾
سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٨ القصص﴾

قناتي على التيليجرام

https://t.me/Ad200185



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف ابن خلدون من العرب

القول بفناء النار ليس فيه تمييع لحق الله

لا أحد يقع في الكفر لذاته