إثبات جلوس النبي على العرش من القرآن
تفسير المقام المحمود بأنه إجلاس الله للنبي على عرشه غير معتمد في ثبوته على آثار السلف،إذ يمكن إثباته عن طريق القرآن أيضاً من وجوه عديدة
أغلب هذه الوجوه تعود للبحث في الأمر الذي من أجله رتَّب عليه الله استحقاق النبي صلى الله عليه وسلم للحصول على هذا المقام،وهو تهجده من الليل لنافلة له
قال تعالى:وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا
فذُكُر في العلَّة الّتي من أجلها قيل أنّ هذه النافلة هي له هو بأنّه هي فرضت عليه اما لغيره فهي تطوع
قال الطبري:(واختُلف في المعنى الذي من أجله خصّ بذلك رسول الله ﷺ، مع كون صلاة كلّ مصلّ بعد هجوده، إذا كان قبل هجوده قد كان أدّى فرائضه نافلة نفلا إذ كانت غير واجبة عليه، فقال بعضهم: معنى خصوصه بذلك: هو أنها كانت فريضة عليه، وهي لغيره تطوّع، وقيل له: أقمها نافلة لك: أي فضلا لك من الفرائض التي فرضتها عليك عما فرضت على غيرك.
* ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ يعني بالنافلة أنها للنبيّ ﷺ خاصة، أُمر بقيام الليل وكُتب عليه.)٠
الآن أعظم جزاء للعبد في أداءه للصلاة هو الاقتراب من الله اقتراب حقيقي غير معنوي؛قال تعالى:"كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"،أي السجود هو نصيبنا والاقتراب هو نصيبك
الآن اجعل هذه الآية قِبَلَ آية الإسراء
٠"فتهجد بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا"٠
٠"وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"٠
إذا ساويت بين الآيتين،ستجد أنّ قوله: "فتهجد به نافلة لك" يساوي قوله:"واسجد"٠
وقوله "عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً" يساوي قوله:"واقترب"٠
فإذاً هذا تفسير صريح للمقام المحمود بأنّه "الاقتراب المكاني من الله في الآخرة "،وهذا الاقتراب للنبي صلى الله عليه وسلم بما أنَّ سببه هو كون فُرِضَت عليه صلاة زائدة عن المؤمنين فينبغي أن يكون اقتراب مميَّز وهو أن يكون أقرب ما يكون من الله وأقرب ما تكون إلى الله هو أن تكون على عرشه
وأنا هنا جالس أتكلَّف لأنّ هناك آية صريحة في تفسير المقام المحمود بأنّه القرب من الله،قال تعالى:وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَیِ ٱلنَّهَارِ وَزُلفاً مِّنَ الليل
سمَّى صلاة الليل زُلفاً والزُلف هو القرب،قال الطّبري:٠ "والزلفة: الساعة والمنزلة والقربة"٠
وقال ابن منظور في لسان العرب:٠
(ومن قرأَ "وزُلْفًا" فَهُوَ جَمْعُ زَلِيفٍ مِثْلُ القُرْب والقَريب. وَفِي حَدِيثِ الضَّحِيّة:أُتي بِبَدَناتٍ خَمْسٍ أَو سِتٍّ فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ
أَي يَقْرُبْنَ مِنْهُ، وَهُوَ يَفْتَعِلْنَ مِنَ القُرْبِ فأَبدل التَّاءُ دَالًا لأَجل الزَّايِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَنه كَتَبَ إِلَى مُصْعبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَهُوَ بالمَدينة: انْظُرْ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي تَتَجَهَّزُ فِيهِ الْيَهُودُ لِسَبْتِهَا، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فازْدَلِفْ إِلَى اللَّهِ بِرَكْعَتَيْنِ وَاخْطُبْ فِيهِمَا...أَي تَقَرَّب)٠
وصلاة الليل في هذه الآية هناك من فسَّرها من السلف بأنّها صلاة القيام،روى ابن ابي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال:وزلفا من الليل يقول صلاة القيام
فإذا ذكرت هذه الآية بأنّ قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل سيُجزى عليه الزلف وهو القرب المكاني من الله في الآخرة ،وآية الاسراء ذكرت أنّ جزاء قيامه للَّيل سيكون المقام المحمود،فإذاً المقام المحمود هو القرب المكاني من الله في الآخرة وهذا القرب المكاني من الله ينبغي أن يكون للنبي في أعلى مستوياته وهو أن يكون على عرشه
فإذاً القرآن لمّا يجيء ليفسر ما هو هذا المقام المحمود في آيات أخرى نلاحظ أنّه دائماً يُفسِّره بأنّه قرب مكاني من الله خاص للنبي صلى الله عليه وسلم ولا نُلاحظ أنّه يُفسِّره في آيات أخرى بأنّه شفاعة الموقف مما يدل على أنَّ هذا هو مراد الله الرئيسي من المقام المحمود
وإذا قال هؤلاء المعطلة بأنّ أنت بنيت كل هذا على افتراض أنّ القرب في هذه الآيات هو قرب مكاني ونحن ننكر القرب المكاني ونقول أنّه قرب معنوي فقط،يُراد به النعيم في الجنة من الطعام والشراب والنساء وكذا،فيُقال لهم أنّ الله قال في حق نبيه داود:{وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}،فالزلفى هو القرب من الله وحسن المآب هو نعيم الجنة المادي فإذا كان الأول نفس الثاني فسيكون هذا تكرار عبثي
ويمكن أن يُقال أيضاً أنّ في سورة المزمل قال الله:{ إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذۡكِرَةࣱۖ فَمَن شَاۤءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِیلًا }٠
والسبيل إلى الرب هو السبيل الموصل له على الحقيقة،الذي من يسلكه يجد نفسه في الآخرة قريباً من الله قرب مكاني حقيقي،وبعد هذه الآية قال:(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ...)٠
أيّ أنّ سلوك هذا السبيل المُقرِّب حقيقةً من الله يكون بقيام الليل،وقيام النبي للَّيل سيسلكه السبيل المقرب أكثر شيء من الله وهو سبيل الجلوس على عرشه الذي هو أقرب شيء منه
تعليقات
إرسال تعليق